رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣
٣
فلسفة الفقه: مخاضات التأصيل[١]
تعني لفظة «الفلسفة» عندما ترد دون إضافة: «معرفة الوجود». وإذا أُضيفت إلى لفظة أُخرى، كما لو أُلحقت بها كلمة «التاريخ» مثلاً، فإنّها تكتسب معنى آخر يتناسب مع ما يعكسه المركّب الجديد; فالتاريخ هو العلم الذي يبحث في أحداث ووقائع العالم وعللها ونتائجها بشكل مقاطع، في حين تهتم «فلسفة التاريخ» بالسنن العامّة الّتي يسير التاريخ وفقاً لها، فعندما ينظر المؤرّخ إلى التاريخ نظرة تجزيئية مرحلية، ينظر باحثو فلسفة التاريخ إلى «تاريخ العالم» نظرة عامّة، ترمي إلى مناقشة قوانينه واستكشاف سننه، وكنموذج لذلك: فالبحث في السبب الذي أدّى إلى انتصار المسلمين وهزيمة المشركين في «بدر»، بحثٌ تاريخي، بينما البحث في كون التاريخ خاضعاً لقوانين وسنن، بحثٌ مختصٌّ بفلسفة التاريخ; أو أنّ البحث في العامل الموجِّه للتاريخ، هل هو واحد، كأن يكون الاقتصاد مثلاً، أو أنّها عوامل متعدّدة؟ يُعدّ من بحوث فلسفة التاريخ.
وهذا المعنى ينطبق على «الفقه» و «فلسفة الفقه». فالفقه يبحث في «أحكام فعل المكلّف»، ويقنّن الحلال والحرام، ويرسم حدود حركة الإنسان، بينما يجري البحث في «فلسفة الفقه» عن المبادئ التصورية والتصديقية
[١] مجلّة المستقبلية: الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية، العدد ٣.