رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥١
سؤال وجواب
الّذي يصدّ أمثال الأعاظم ـ نظير إمام الحرمين ـ عن القول بالتحسين والتقبيح العقليين حتّى في حكم الله سبحانه، هو تصوّر أنّ القول بذلك يلازم حكم العباد على الله سبحانه بأنّه يجب عليه أن يفعل كذا، ويجب أن لا يفعل كذا، ومن المعلوم أنّ الممكن أدون من أن يكون حاكماً على الله تعالى شأنه.
والجواب: ما ذُكر صحيح، ولكن أين التراب من رب الأرباب، فليس للممكن الفقير أن يحكم على الغني المطلق، كيف والحال كما يذكره الذكر الحكيم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ)[١].
لكن المراد من الإيجاب هو استكشاف ذلك الحكم من الصفات الّتي دلّ العقل والشرع على اتّصافه سبحانه بها، فبما أنّه سبحانه حكيم غنيّ لا يناقض ولا يعبث، فهذه الصفات تقتضي أن يكون فعله سبحانه مطابقاً لحكمته .
فهذا النوع من الحكم ليس حكماً بالمعنى المصطلح، بل يُعدّ استكشافاً لما تقتضيه صفاته.
وهذا نظير قولنا: مجموع زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين.
فنحن نحكم بذلك ولكن حكمنا هذا لا يؤثر في التكوين، فإنّ التكوين لا يخضع لإرادتنا وحكمنا، وإنّما نستكشف من البراهين القاطعة هذا ، وقس عليه حكمنا أنّه يجب على الله سبحانه أن يحكم بين العباد بالعدل لا بالجور، وأنّ عليه أن لا يأخذ البريء بذنب المجرم، وأنّ عليه أن لا يعطي الإعجاز لمدّعي
[١] فاطر: ١٥.