رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٣
دلالة الآية على ما ذكرنا من التعدد تُعلم من الوقوف على شأن نزول الآية، يقول المفسّرون إنّ: سيدنا المسيح (عليه السلام) بعث رسولين من الحواريين إلى مدينة انطاكية، فلقيا من أهلها عنفاً وردّاً، غير أنّ واحداً من أهلها اسمه حبيب النجّار آمن بهما وأظهر إيمانه وقال: (إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ).[١]
فلمّا وقف القوم على إيمانه أخذوا بوطئه بأرجلهم حتى مات، فعند ذلك خوطب بقوله سبحانه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) فعندئذ يسأل هو المراد من الجنّة التي أُمر بالدخول فيها؟ فالجواب: أنّ هذه الجنة غير الجنة التي وعد المتقون يوم القيامة، وهذا يدلّ على أنّ الإنسان الشهيد في طريق إعلاء كلمة اللّه يدخل الجنة، فعندئذ فما هو الداخل هل هو البدن والمفروض أنّه وطئ بأرجل المشركين؟! فتعيّن أنّ المراد غير البدن، أعني: الروح التي كانت تدبر البدن، فهي باقية بعده إلى يوم القيامة.
و العجب أنّه بعدما خوطب بدخول الجنة أخبر عن مصيره المبارك، وقال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ ).[٢]
٧. إنشاء خلق آخر
قال سبحانه: ( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ
[١] يس: ٢٥.
[٢] يس: ٢٦ـ٢٧.