رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٦
١. النفس الملهمة:
لا شكّ أنّ كل إنسان يدرك في صميم ذاته حسن بعض الأُمور وقبح الآخر، كحسن الإحسان وقبح الظلم، وهكذا يدرك حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه إلى غير ذلك، فهذه المدركات أُمور فطرية يدركها الإنسان بنفسه من دون أن يكتسبها من مصدر خارجي.
كما أنّ الحكمة النظرية تنقسم إلى ضرورية ونظرية، فهكذا الحكمة العملية تنقسم إلى بديهي ونظري، فالبديهي من الإدراكات التي يستوي فيها جميع البشر على تمام الأصعدة، هي الأُمور الفطرية.
وقد وصف الإمام علي (عليه السلام) شيئاً من تعاليم الأنبياء، بالتنبيه على ما يدركه الإنسان في منهج الفطرة بقوله: «وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ (بني آدم) أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ».[١]
فلو قال سبحانه: ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ وَ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).[٢]
فإنّما ينطق بلسان الفطرة، ففطرة الإنسان قاضية بحسن الثلاثة الأُولى وقبح الثلاثة الأخيرة، وأنّه يجب أن يقوم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى و يجتنب الأُمور الأُخرى.
و إلى هذه المرتبة من النفس يشير سبحانه بقوله: (وَ نَفْس وَ مَا سَوَّاهَا *
[١] نهج البلاغة: الخطبة رقم ١.
[٢] النحل: ٩٠.