رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٣
على هذه المزايا. فقليل القرآن الّذي كان في أيام الدعوة الأُولى، كان مجرّداً عن هذه الأشياء الّتي جاءت فيما بعد، وكان مع ذلك محتوياً على هذا النبع الأصيل الّذي تذوقه العرب، فقالوا: إنْ هذا إلاّ سحر يُؤثَر.
إنّنا نقرأ الآيات الكثيرة في هذه السور فلا نجد فيها تشريعاً محكماً، ولا علوماً كونية، ولا نجد إخباراً بالغيب يقع بعد سنين، ومع ذلك أدهش عقول العرب وتحدث عنه ابن المغيرة بعد التفكير والتقدير، بما ذكره عنه في الكتاب العزيز: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)[١]
لا بدّ إذن أنّ السحر الّذي عناه، كان كامناً في مظهر آخر غير التشريع والغيبيات والعلوم الكونية، لا بدّ أنّه كامن في صميم النسق القرآني ذاته، وكان هذا يتجلّى من خلال التعبير الجميل المؤثر المعتبر المصوّر.
وعلى ذلك فالجمال الفنّي الخاص، عنصر مستقل في إثبات إعجاز القرآن[٢]، ويتجلّى ذلك في أُمور أربعة تضفي على القرآن ـ مجتمعة ـ إعجازه وتفوّقه، وهي:
١ . فصاحةُ ألفاظه وجمالُ عباراته.
٢ . بلاغةُ معانيه وسموُّها.
٣ . روعة نظمه[٣] وتأليفه. ويراد منه: ترابط كلماته وجُمَله، وتناسق آياته، وتآخي مضامينه، حتى كأنّها بناء واحد، متلاصق الأجزاء، متناسب الأشكال، لا
[١] المدّثر: ٢٤
[٢] لاحظ التصوير الفنّي في القرآن الكريم لسيد قطب : ١١ ـ ٢٣، فصل سحر القرآن
[٣] ربما يطلق النظم في كلماتهم ويراد منه الأُسلوب والسبك الّذي هو الأمر الرابع