رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١
إنّ صدر المتألّهين توصّل بالبراهين العقلية إلى أنّ التغيّر والحدوث المتجدّد لا يختصّ بصفات المادة وعوارضها، بل يتطرّق هذا التغيّر إلى ذات المادة بمعنى أنّ الكون بجميع ذراته في تحوّل وتغيّر مستمر، وإنّ ما يتراءى للناظر من الثبات والاستقرار والجمود في مادة الكائنات الطبيعية ليس إلاّ من خطأ الحواس، إذ الحقيقة هي غير ذلك، فكلّ ذرّة من ذرّات المادّة خاضعة للتغيّر والتبدّل والسيلان والصيرورة. وبفضل هذا الكشف تبيّن تعدّي التغيّر من سطوح الطبيعة إلى أعماقها، ومن ظواهرها إلى بواطنها.
وقد أقام مكتشف نظرية الحركة الجوهرية براهين رصينة على ما تبنّاه، ثمّ إنّه رتّب على نظريته الحدوث الزماني للعالم بأوضح الوجوه، وحاصل ما أفاد: أنّ كلّ قطعة من المادة السيّالة وكلّ درجة متعانقة مع الزمان، منها لمّا لم يكن من القطعة اللاحقة أثر ولا عين فيها، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، وهو أنّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، وهكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة. وبهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال. وفي هذا الصدد يقول الحكيم صدر الدين الشيرازي: فقد ثبت وتحقّق أنّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها، وأنّ صورتها صورة التغيّر والاستحالة، وكلّ منها حادث الوجود مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، ولا لطبائعها المرسلة، والطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها، وهي متكثّرة، وكلّ منها حادث ولا جمعية لها في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم.[١]
[١] الأسفار:٧/٢٩٧ و ٢٨٥، ولاحظ: ٢٩٢ـ ٢٩٣.