رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٤
بعثته، ومحلّ انطلاق دعوته المباركة، وهذا الغار يحمل في رحابه ذكريات كثيرة عن صاحبه الذي طالما تردّد إليه، وقضى ساعات بل أياماً وأشهراً فيه ... ذكريات يشتاق الناس ـ وحتى هذه الساعة ـ إلى سماعها من ذلك الغار، ولذلك تجدهم يسارعون إليه عندما يؤمّون تلك الديار المشرّفة، متحملين في هذا السبيل كل عناء، للوصول إلى رحابه، لكي يستنطقونه عمّا جرى فيه عند نزول الوحي، ويسألونه عمّا تحتفظ به ذاكرته من تاريخ رسول الإنسانية الأكبر، وعمّا جرت من حوادث في ذلك المكان المقدّس، غير أنّ في كتب السير والحديث حول نزول الوحي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك المكان أُموراً لايصدقها العقل ولا النقل، وإليك بيانها.
١ . تغطية جبرئيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
روى البخاري: «كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، وهو التعبّد في الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ منّي الجَهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجَهد، ثم أرسلني، فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ الأَكْرَمُ) .[١]
و في الرواية ـ مضموناً وسنداً ـ تأمّلات واضحة ذكرناها في المقال
[١] صحيح البخاري: ١/٣، وللحديث تتمة نأتي بها عن قريب.