رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٥
مع أنّه من ومضات فكرتهم؟! هذا، ومن جانب آخر أنّ المصلحين باسم الأنبياء كانوا رجالاً صادقين وصالحين لم يبدر منهم ما ينافي صدقهم وصلاحهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّهم كانوا يحسّون من صميم ذاتهم بأنّهم مبعوثون من جانبه سبحانه.
إنّ هذه النظرية التي تفسّر الوحي بالنبوغ وتوسم الأنبياء بالنوابغ، لم تدرس أحوال النوابغ والعلل والمبادئ، التي يرتكز عليها النبوغ حتى تقف على أنّ أحوال الأنبياء على طرفي نقيض من أحوالهم، فإنّ أفكار النوابغ تتوقّد وتزدهر تحت لواء المجتمعات الراقية وظل الحضارات الإنسانية، وأمّا المجتمعات المتخلّفة فلو كانت تمتلك نوابغ بالذات لأخمد فيها ذكاؤهم وبارت فيها فطنتهم.
و أمّا الظروف التي كانت يعيش فيها الأنبياء خصوصاً
النّبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد كانت على نقيض هذا الجانب فقد بعث (صلى الله عليه وآله وسلم)بين
قوم يغطّون في سبات التخلّف والانحطاط فكيف يمكن تفسير النبوة الخاتمة بالنبوغ مع هذا البون الشاسع بين ظروف النوابغ وبيئة خاتم المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك: أنّ النوابغ تسودهم العزلة والانزواء مع أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين الناس يعيش معهم في حياتهم الاجتماعية وإن لم يكن على سيرتهم وسلوكهم فقد قضى عمره في الرعي والتجارة إلى أن بعثه اللّه سبحانه نبياً لهداية الأُمّة.
و أنّى للنوابغ الكتاب المُعجز الذي حارت فيه العقول وخرست الالسن عن النطق بمثله; وأين لهم هذه النُّظُم والتشريعات الحيّة النابضة التي تتلاءم