رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٦
يلاحظ عليه: أنّ الاستهزاء فعل الجاهلين، ولذلك لمّا أمر موسى الكليم (عليه السلام) بني إسرائيل في مسألة ذبح البقرة قائلاً: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) قال بنو إسرائيل: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) فأجابهم موسى (عليه السلام)بقوله: (أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)[١].
فإذا كان الاستهزاء عمل الجاهلين، فهل تصح نسبته إلى الله أو إلى نبيه أو إلى سائر المؤمنين؟ وما قاله: (إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة كان عدلاً) غفلة عن واقع الاستهزاء، فإنّ عمل الجهلة لا يصبح عدلاً في حين، وظلماً في حين آخر، فإنّ الفحشاء ذميمة مطلقاً ابتداءً كانت أو انتهاء وعقوبة.
ثم إنّ المكر والحيلة فعل العاجز، فحيث لا يقدر على عقاب المخالف مباشرة، يلجأ إلى المكر والحيلة، والله سبحانه أرفع من أن يكون عاجزاً (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ )[٢] والحقيقة أنّ مرجع هذه الشبهة هو إنكار التحسين والتقبيح العقليين، فصار هذا سبباً لتصحيح نسبة هذه الأُمور الذميمة إلى الله سبحانه على الحقيقة.
ولو كان الرجل من أهل الفصاحة والبلاغة وعارفاً بأساليب كلام البلغاء لما أنكر ما ذكره أهل التنزيه من أنّ الجميع من باب المشاكلة الّتي تعني ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته .
وها نحن نذكر بعض موارد المشاكلة في الذكر الحكيم، وفي خطب أمير البيان علي (عليه السلام)، وأشعار البلغاء.
[١] البقرة: ٦٧ .
[٢] الأنعام: ٩١ .