رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٨
ونحن لا نلومهم على ذلك، فربما يظنون أنّهم غير مكلّفين بتفسير هذه الصفات، فاكتفوا بالتفويض كما هو الحال في كثير ممّا يرجع إلى القيامة ومواقفها وأحوالها، فإنّ كثيراً من الصالحين يفوّضون معانيها إلى الله سبحانه، ولكنّ القرآن الكريم دعا المؤمنين إلى التدبّر في الآيات لغاية فهم معانيها وحقائقها، فقال سبحانه: (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)[١] .
وعلى ذلك فتعطيل العقل عن سبر المعارف الواردة في القرآن الكريم، نوع بخس وظلم للعقل السليم، كيف وهو سبحانه يقول: (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءْ)(٣) وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه .
الرابع: منهج التأويل
المعتزلة هم الذين أوّلوا اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء على العرش بالاستيلاء وإظهار القدرة، وهكذا سائر الصفات الخبرية، غير أنّ هذا المنهج غير صحيح ـ كسائر المناهج السابقة ـ فإنّ ظاهر كلامهم أنّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصريح، ولذلك يجب ترك النقل لأجل صريح العقل، ومن المعلوم أنّ هذا كلام ساقط، إذ الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة منزّهان عمّا يخالف صريح العقل. وما يُتداول على ألسنة طلاب العصر من أنّ ظاهر الكتاب إذا خالف العقل يؤوَّل الظاهر ويؤخذ بالعقل، أمر باطل جدّاً، إذ يستحيل أن يخالف الوحي حكم العقل الحصيف قدر شعرة. أفيمكن أن يحثّ الكتاب على التدبّر في الآيات
[١] القمر: ١٧ . ٣ . النحل: ٨٩ .