رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٠
المجاز وهو ضد الحقيقة، فزعم أنّ مَن استعمل المجاز ترك الحقيقة إلى غيرها. وغفل عن أنّ المراد منه، هو كون الحقيقة قنطرة لبيان حقيقة أُخرى .[١]
الشبهة الثانية: ما نقله السيوطي عن المانعين، أنّ المجاز أخو الكذب والقرآن منزّه عنه، ثم ردّه السيوطي وقال: وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، وقد اتّفق البلغاء على أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة.. إلى آخر ما ذكره الزركشي في برهانه ـ كما عرفت ـ .[٢]
أقول: الكذب عبارة عن الكلام المخالف للواقع وهو إنّما يتمّ إذا أراد المتكلم الفرد الادّعائي بلا قرينة، كما إذا قال : رأيت أسداً (من دون قرينة) وأراد الرجل الشجاع، مع أنّ ظاهر كلامه أنّه رأى الحيوان المفترس، وأمّا إذا قرنه بقرينة دالّة على أنّ المراد الفرد الادّعائي فأي كذب في ذلك .
الشبهة الثالثة: أنّ المجاز يجوز نفيه، ولا شكّ أنّه لا يجوز نفي شيء من القرآن.
قال ابن قيّم الجوزية: وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز، على أنّ كلّ مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر، فنقول لمن قال: «رأيت أسداً يرمي»: ليس هو بأسد، وإنّما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأنّ في القرآن مجازاً، أنّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولاشكّ أنّه لا يجوز نفي شيء من القرآن .[٣]
[١] وسيوافيك تفصيله عند الردّ على رسالة المنع للشنقيطي.
[٢] الإتقان في علوم القرآن : ٣ / ١٠٩ .
[٣] منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: ٢٤٠، المطبوع في ذيل «أضواء البيان».