رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩
٢. الحدوث الذاتي للعالم
إنّ الكون بتمام أجزائه حادث ذاتاً ويراد به أنّ كلّ جزء منه في حدّ ذاته فاقد للوجود والتحقّق، وإنّما يعرض له الوجود في مرتبة متأخّرة بعد الانتساب إلى العلّة، وهذا النوع من الفقدان أمر ذاتي له لا ينفك عنه حتى بعد الوجود ولذلك يوصف بالعدم المجامع فيقال: الشيء الممكن المتحقّق فاقد للوجود في حدّ ذاته، واجد له بعد الانتساب إلى العلّة.
وقد عرّف الشيخ الرئيس الحدوث الذاتي بالتعبير التالي:
ثم أنت تعلم أنّ حال الشيء الذي يكون للشيء باعتبار ذاته متخلّياً عن غيره قبل حاله من غيره قبليّة بالذات، وكلّ موجود عن غيره يستحقّ العدم لو انفرد، أو لا يكون له وجود لو انفرد، بل إنّما يكون له الوجود عن غيره. فإذن لا يكون له وجود قبل أن يكون له وجود وهذا هو الحدوث الذاتي[١].
وقد وقع قول الشيخ الرئيس: «كلّ موجود عن غيره يستحق العدم لو انفرد» موضع الاعتراض، من قِبل شراح كلامه، فقال الرازي في شرحه على الإشارات: الممكن لا يستحق الوجود من ذاته ولا يلزم منه أنّه يستحقّ اللاوجود، فإنّ المستحق للاّوجود هو الممتنع. فإذن وجوده مسبوق بلا استحقاق الوجود لا بالعدم، أو باللاّ وجود.
ثمّ قال: ففي قول الشيخ: «إنّه يستحق العدم لو انفرد، أو لا يكون له وجود لو انفرد» مغالطة ; لأنّه إن أراد بالانفراد اعتبار ذاته من حيث هي هي، فهو في
[١] شرح الإشارات والتنبيهات، القسم الثالث:١١٣.