رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٨
هذا الجمع العظيم مجمع على خطأ، فهو المخطئ.
وما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهي الصلاة في المسجد، باطل جدّاً. فإنّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس أنّهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرفت، فالمقصود الأعظم في المدينة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكة، الحج أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شكّ في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة، ما قصد بذلك ؟[١]
حصيلة الكلام
هذه هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء، تسافر إلى زيارة قبر عمها حمزة سيد الشهداء في أُحد، وهذه عائشة تقصد زيارة قبر أخيها، وهذا الصحابي الجليل بلال يشدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا عمر بن عبدالعزيز يبرد البريد إلى المدينة للسلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نيابة عنه، وأخيراً يدعو الخليفة الثاني كعب الأحبار لمرافقته في السفر من بيت المقدس إلى المدينة لأجل زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا يجد المتتبع في غضون كتب التاريخ شواهد أُخرى من سفر الصالحين والعلماء إلى المدينة لتلك الغاية، وهذا يدلّ على أنّ سيرة المسلمين والسلف الصالح مجمعة على خطأ من يقول بحرمة السفر إلى
[١] شفاء السقام في زيارة خير الأنام: ٨٥ ـ ٨٦ ، ط. بولاق مصر.