سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٦٤
بأمر الله في ذلك ووحيه وما عزم له من الهجرة ، دعا رسول الله ( ( ٦ ) ) علياً ( ٧ ) وقال له : يا علي إن الروح هبط علي بهذه الآية آنفاً ، يخبرني أن قريشاً اجتمعوا على المكر بي وقتلي ، وأنه أوحى إليَّ ربي عز وجل أن أهجر دار قومي ، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي ، وأمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي ، ليخفى بمبيتك عليهم أثري ، فما أنت قائل وصانع ؟ فقال علي ( ٧ ) : أوَتسلم بمبيتي هناك يا نبي الله ؟ قال : نعم ، فتبسم علي ( ٧ ) ضاحكاً وأهوى إلى الأرض ساجداً شكراً بما أنبأه رسول الله ( ( ٦ ) ) من سلامته ، وكان علي ( ٧ ) أول من سجد لله شكراً ، وأول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله ( ( ٦ ) ) فلما رفع رأسه قال له : إمض لما أمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي ، ومرني بما شئت أكن فيه بمسرتك ، واقعاً منه بحيث مرادك ، وإن توفيقي إلا بالله . قال ( ( ٦ ) ) : وإنه ألقي عليك شبهٌ مني ، فارقد على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي .
ثم إني أخبرك يا علي أن الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه ، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ( : ) ثم الأمثل فالأمثل ، وقد امتحنك يا ابن عم وامتحنني فيك ، بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم ، والذبيح إسماعيل ( : ) ، فصبراً صبراً ، فإن رحمة الله قريب من المحسنين . ثم ضمه النبي ( ( ٦ ) ) إلى صدره وبكى إليه وَجْداً به ، وبكى علي ( ٧ ) لفراق رسول الله ( ( ٦ ) ) . ولبث رسول الله ( ( ٦ ) ) بمكانه مع علي يوصيه ويأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشاءين ، ثم خرج في فحمة العشاء الآخرة والرصد من قريش قد أطافوا بداره ، ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين ، فخرج وهو يقرأ هذه الآية : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لايُبْصِرُونَ . وأخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم ، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم !
فلما غلق الليل أبوابه وأسدل أستاره وانقطع الأثر ، أقبل القوم على علي ( ٧ ) يقذفونه بالحجارة والحِلَم « الأعواد » ولايشكُّون أنه رسول الله ( ( ٦ ) ) ، حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أن يفضحهم الصبح ، هجموا على علي ( ٧ ) وكانت دور مكة يومئذ سوائب