سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣٧
أعد لك أفضل مما قطع عنك ، فاحتسبي الله . فقالت : حسبي الله . وأمسكت ) .
ومعنى كلامها ( ٣ ) : يا علي مالك تلفعت بالشملة كالصبي ، وقعدت عن العمل كالبخيل ، وكأنك طائر قصصتَ ريشه فلم يستطع الطيران بالزغب ، أما ترى أبا بكر غصب مني نحلة أبي ومصرف أولادي ، لقد تمحل جاهداً في خصومتي ، وجادلني بعداوة ، ولم تنصرني الأنصار مع واجب حقي عليهم ، ولم ترعَ المهاجرة نسبي من قريش ، وتعامى عني المسلمون ، فلا مدافع عني ولا ممانع من ظلمي وقد خرجت إلى المسجد أكظم غيضي ، وعدت مرغمة بعناده معي وأنت يا علي اضطررت أن تضرع وتخضع يوم تركت سل سيفك ! ومن حولك تفترس الذئاب ، وأنت تفترش التراب ، ما كففت عني مخاصماً ، ولا نفعتني في شئ ، وأنا مكتوفة اليدين ! ليتني مت قبل أجلي وقبل أن أرى المذلة ، ليَ الله منه معتدياً عليَّ ، وليَ الله منك مسؤولاً عن حمايتي !
ويلي عند كل شروق وغروب ، لقد مات أبي وعمادي ، ووهنت قوتي .
شكواي إلى أبي ، وطلبي من ربي الانتقام من أبيبكر . اللهم إنك أشد قوة وحولاًمن ظالميَّ ، وأشد بأساً وتنكيلاً .
وقد استبعد بعضهم أن يصدر مثل هذا الكلام من الزهراء ( ٣ ) ، لأنه توبيخٌ لأمير المؤمنين ( ( ٦ ) ) لا يتناسب مع مقامه ولا مقامها ( ( ٦ ) ) . فقد تصور هؤلاء أن المقصود بكلامها الإمام ( ٧ ) ، لكنها تخاطب الأمة ، وتسجل موقفاً للتاريخ ، وأنها غضبى ، وأن واجب المسلمين نصرتها ، وواجب علي ( ٧ ) قبلهم ، لكنه مأمور بالصبر إن لم يجد ناصراً ، والمسلمون غير مأمورين بذلك ، فلا عذر لهم !
ويوجد مثل هذا الخطاب في القرآن ، ظاهره عتب على النبي ( ( ٦ ) ) وتهديد له ، وواقعه عتب على الناس وتوبيخ لهم وتهديد . كقوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . وقوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ . وقوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . وقوله تعالى : وَلا تَكُنْ للَّخَائِنِينَ خَصِيمًا . وكلها يقصد بها تفهيم غيره ( ( ٦ ) ) .