أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤١ - التنبيه الرابع القياس و عموم مقدّمات الانسداد
الانسداد كحكمه بحجّية العلم في حال الانفتاح فيقع الإشكال حينئذٍ من ناحية خروج القياس عن تحت عموم حكم العقل بحجّية الظنّ و أنّه كيف يخرج عن تحت عمومه مع أنّ حكم العقل ممّا لا يخصّص، و لا يمكن رفع حكمه عن موضوعه، إلّا إذا انتفى الموضوع فينتفي الحكم بانتفائه، أو خرج الفرد عن تحت الحكم موضوعاً فيسمّى بالتخصّص، و أمّا تخصيص حكم العقل فلا يجوز، و ذلك باعتبار لزوم التناقض فإنّ العقل إذا حكم حكماً عاماً بنحو يشمل هذا الفرد بعينه ثمّ خصّصنا حكمه و رفعناه عن هذا الفرد لزم التناقض بين حكمه و بين التخصيص، نظير ما إذا خصّصنا نوعاً من القطع عن عموم حجّية القطع في حال الانفتاح، و هذا بخلاف التخصيص في العمومات اللفظية فإنّ التناقض فيها صوري لا جدّي.
و قد اجيب عن هذا الإشكال بوجوه عديدة، و قد ذكر الشيخ الأعظم وجوهاً سبعة في دفعه (بعضها منه و بعضها من غيره) و ذكر المحقّق الخراساني (رحمه الله) وجوهاً خمسة في هذا المقام لكن عمدتها ثلاثة:
الوجه الأوّل: أنّ الرّوايات الناهية عن القياس منصرفة عن حال الانسداد.
أقول: لقائل أن يقول بهذا الوجه كما سيأتي في البحث التفصيلي عن القياس لكن الإنصاف أنّ هذه الدعوى مشكلة لقوّة إطلاقات الأدلّة.
الوجه الثاني: إنكار موضوع الظنّ القياسي و أنّه لا يوجب القياس الظنّ بالحكم في شيء من الموارد خصوصاً بعد ملاحظة أنّ الشارع جمع في الحكم بين ما يتراءى مخالفه، و فرّق بين ما يتخيّل مؤالفه، و كفاك في هذا عموم ما ورد «أنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول» و «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين» و «إنّه لا شيء أبعد من عقول الرجال من دين اللَّه» و غيرها ممّا دلّ على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس و خصوص رواية أبان بن تغلب المشهورة الواردة في دية أصابع الرجل و المرأة.
و يمكن الجواب عن هذا الوجه بشهادة الوجدان بحصول الظنّ من القياس في بعض الأحيان و إن كان ضعيفاً من حيث المرتبة و تقدّم عليه الظنّ الحاصل من غيره عند التعارض.
الوجه الثالث: (و هو الأساس في الجواب) أنّ مقدّمات الانسداد ليست علّة تامّة لحجّية الظنّ مطلقاً حتّى لا يمكن تخصيصها بمثل مورد القياس بل إنّها مقتضية لها، أي يحكم العقل بحجّية الظنّ مطلقاً عند الانسداد لو لا المانع، أي لو لا منع الشارع، و مع ورود النهي عنه لا أثر للمقتضي.