أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٦ - الدليل الرابع العقل
و مشكوكهما و موهومهما سواء كان من الأخبار أو من سائر الأمارات الظنّية أو من أي سبب آخر لا يبقى علم إجمالي آخر في البين و ينعدم، و هذا علامة انحلال العلم الإجمالي الأكبر بالكبير، و أمّا الكبير فلا ينحلّ بالصغير، لأنّه لو عزلنا بمقدار المعلوم بالإجمال من أطراف العلم الإجمالي الصغير- أي الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة- و ضممنا الباقي إلى باقي الأطراف من العلم الإجمالي الكبير، أي سائر الأمارات الظنّية، لكان العلم الإجمالي باقياً، و هذا علامة عدم انحلاله [١].
الوجه الثاني: و هو ما حكي عن صاحب الوافية من أنّه لا شكّ في تكليفنا بالأحكام الشرعيّة و خصوصاً الواجبات الضروريّة مثل الصّلاة و الصّوم و الحجّ و الزّكاة و غير ذلك من الضروريات، و لا شكّ أيضاً في بقاء التكليف بهذه الامور إلى قيام يوم القيامة، و من المعلوم أنّ أجزاء هذه الامور و شرائطها و موانعها لا تثبت إلّا بالخبر الواحد الموجود في الكتب، و لو لم يكن حجّة و جاز ترك العمل به لخرجت هذه الامور عن حقائقها و ما كنّا نعرف أنّ هذه الامور ما هي؟ و هذا ينافي كونها ضروريّة و بقاء التكليف بها إلى يوم القيامة.
أقول: إنّ كلامه هذا مشتمل على مقدّمتين: الاولى: كون سلسلة من العبادات واجبة بضرورة من الدين إلى يوم القيامة، الثانية: أنّ لها أجزاء و شرائط مبثوثة في كتب الأخبار.
و يرد عليه:
أوّلًا: أنّه لا فرق بينه و بين الوجه السابق إلّا أنّ دائرته أضيق منه مع أنّه لا دليل على هذا التضييق لأنّا نعلم بدخول غير العبادات أيضاً في أطراف العلم الإجمالي.
و إن شئت قلت: لازم كلامه انحصار حجّية خبر الواحد بالعبادات و عدم حجّيته في مثل المعاملات و الحدود و الدّيات، و هو كما ترى.
و ثانياً: ما مرّ في الجواب عن الوجه الأوّل من أنّ هذا الدليل لا يثبت إلّا لزوم الأخذ بخبر الواحد من باب الاحتياط لا الحجّية بالمعنى الذي يكون مخصّصاً للعمومات و مقيّداً للمطلقات و الذي لأجله يكون الإسناد إلى اللَّه تعالى جائزاً.
و ثالثاً: عدم شمولها للأخبار النافيّة و اختصاصها بالمثبتة.
[١] فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٩٩- ٢٠٠، طبع جماعة المدرّسين.