أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٠٩ - ١- حجّية الظواهر
الظهور في الأحكام باقية على حجّيتها.
و قد اجيب عن هذا الوجه في كلمات بعض الأعاظم بأنّ جميع آيات القرآن داخلة في محلّ الابتلاء في العمل بناءً على ما هو المشهور من لزوم قراءة سورة كاملة في الركعتين الأوّليين من كلّ صلاة، و لو وقع التحريف في سورة لا يصحّ قراءتها في الصّلاة لعدم كونها كاملة سواء كان المحتوى فيها من الأحكام أم غيرها، و إذن يصير كلّ سورة من سور القرآن محلًا للابتلاء في العمل فيؤثّر العلم الإجمالي أثره من عدم الحجّية.
كما يمكن إثبات دخول جميع القرآن في موضع الابتلاء من طرق اخرى أيضاً كاعتبار الطهارة في مسّها سواء كانت من الأحكام أم غيرها.
أقول: الإنصاف هو عدم الاعتماد بشيء من هذه الوجوه، و ذلك لأنّ أصالة حجّية الظواهر ليست من الاصول التعبّديّة بل هي كأصالة الحقيقة من الاصول العقلائيّة الطريقيّة التي استقرّ عليها بناء العقلاء من باب أنّها طريق لكشف الواقع لا من باب مجرّد التعبّد، و حينئذٍ لا بدّ من ملاحظة بناء العقلاء في المقام و أنّه هل هو ثابت على حجّية ظواهر كتاب حتّى بعد وقوع التحريف فيها أو لا؟ الإنصاف أنّ بناءهم لم يستقرّ عليها في هذه الصورة من دون فرق بين كونها داخلة في محلّ الابتلاء و عدمه، و من دون فرق بين أن يترتّب عليها أثر شرعي أو لا يترتّب.
و الحقّ في الجواب أن نقول: أنّ الطوائف العشرة الدالّة على لزوم الأخذ بظواهر كتاب اللَّه التي مرّت سابقاً لا تدعونا إلّا إلى العمل بهذا القرآن الموجود في أيدي المسلمين، و تلاوة آيات هذا القرآن الذي وصل إلينا من عهد أمير المؤمنين ٧ و الصادقين ٨ سواء قلنا بتحريفه بعد رسول اللَّه ٦ في مدّة قصيرة قبل جمعه في عهد عثمان أو لم نقل به كما هو الحقّ، و سيأتي تفصيله إن شاء اللَّه، لأنّه لا يقول أحد بوقوع التحريف بعد جمع عثمان إلى زماننا هذا.
و بالجملة لو فرضنا وقوع التحريف فيه و عدم بناء العقلاء على حجّية كتاب محرّف فلا كلام و لا إشكال في حجّية القرآن الموجود بأيدينا شرعاً و إنّا مأمورين بالعمل به بمقتضى تلك الرّوايات الكثيرة.
هذا كلّه في كبرى الوجه السادس من الوجوه التي استدلّ بها لعدم حجّية ظواهر القرآن الكريم، أمّا الصغرى (و هي صغرى وقوع التحريف) فلا بدّ من البحث فيه بحثاً لا يكون فيه اقتصار مخلّ و لا تطويل مملّ فنقول و من اللَّه التوفيق و الهداية: