أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢٣ - التنبيه الثاني الآيات و الرّوايات
و الجواب عن الاستدلال بهذه الآيات أنّه وقع الخلط بين معصية القلب و بين نيّة المعصية و العزم عليها، فهناك أفعال تصدر من القلب و تترتّب عليها العقاب نحو كتمان الحقّ و حبّ إشاعة الفحشاء و الرضا بالمعاصي (كما ورد في زيارة و إرث: و لعن اللَّه امّة سمعت بذلك فرضيت به) و الاعتقاد بالأوثان و الأصنام، كما أنّ هناك أفعالًا اخرى تصدر من القلب و تترتّب عليه الثواب كالاعتقاد باللَّه و رسوله، لكن هذا لا يستلزم منه ترتّب العقاب على جميع أفعال القلب حتّى مثل نيّة المعصية و العزم عليها، و بعبارة اخرى: أنّ هذه الآيات تدلّ على حرمة خصوص بعض المصاديق من الأفعال الجوانحيّة المذكورة فيها، و أين ذلك من حرمة كلّ فعل قلبي؟
أمّا الرّوايات فهي على طائفتين: طائفة تدلّ على أنّ نيّة المعصية معصية، و طائفة اخرى تدلّ على عدمها أو العفو عنها.
أمّا الطائفة الاولى: فهي روايات عديدة لا بدّ من البحث عن كلّ واحدة منها و النظر إليها مستقلًا حتّى يتّضح مقدار دلالتها على المدّعى ثمّ ملاحظتها من حيث المجموع.
منها: ما ورد في الجواب عن إشكال الخلود في النار أو في الجنّة مع كون العمل في الدنيا محدوداً بمقدار معيّن نحو خبر أبي هاشم، قال: قال أبو عبد الله ٧: «إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللَّه أبداً، و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللَّه أبداً، فبالنيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ» قال: على نيّته» [١].
و لكن يناقش فيها بأنّها ممّا لا يمكن الالتزام بظاهرها لشمول إطلاقه من كان كافراً و ليست نيّته في الدنيا أن لو خلّد فيها أن يعصى اللَّه أبداً بل ربّما تكون نيّته أن يتوب بعد مدّة، لكن مات على كفره قبل أن يتوب، و شموله أيضاً مؤمناً ليست نيّته أن لو بقى في الدنيا أن يطيع اللَّه أبداً، لكن اتّفق موته على الطاعة، و من المسلّم أنّ الأوّل مخلّد في النار لأنّ الكافر خالد في النار مطلقاً بلا إشكال، كما أنّه لا خلاف في أنّ الثاني لا يخلّد في النار، و حينئذٍ فتحمل هذه الأخبار على أنّ الإمام ٧ تكلّم فيها على قدر عقل المخاطب، و أجاب بما يقتضيه استعداده و طاقته الفكريّة فيكون الجواب اقناعياً أو يردّ علمها إلى أهلها.
[١] وسائل الشيعة: ج ١، الباب ٦، من أبواب مقدّمات العبادات، ح ٤.