أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٢ - أمّا الثاني لفظة كلّ و ما شابهها
أنّه لو قلنا بعدم اشتراط دلالتها على العموم بالإرسال و الإطلاق و استفادة العموم من النكرة من دون إجراء مقدّمات الحكمة لدلّت على العموم في صورة التقييد أو الإهمال أيضاً.
و قال في التهذيب ما حاصله: إنّ الطبيعة تنتفي بانتفاء الفرد كما توجد بوجوده و لا يحتاج انتفائها إلى انتفاء جميع الأفراد، لأنّ الفاظ النفي و النهي وضعت لنفي مدخولها أو الزجر عنه، و المدخول في ما نحن فيه هو اسم الجنس، و هو موضوع لنفس الطبيعة بلا شرط، فلا دلالة فيها على نفي الافراد التي هي المناط في صدق العموم، و لا وضع على حدة للمركّب، و قولنا:
اعتق رقبة. و قولنا: لا تعتق رقبة سيّان في أنّ الماهيّة متعلّقة للحكم و في عدم الدلالة على الأفراد و في أنّ كلّاً منهما محتاج إلى مقدّمات الحكمة حتّى يثبت أنّ ما يليه تمام الموضوع، نعم هذا ممّا يقتضيه البرهان، و أمّا العرف فيفرّق بين الموردين ويحكم بأنّ المهملة توجد بوجود فرد ما و تنعدم بعدم جميع الأفراد [١].
أقول: الأولى في كلّ بحث سلوك الطريق اللائقة به، ففي مباحث الألفاظ لا بدّ من الرجوع إلى التبادر و المتفاهم العرفي لا إلى وجوه فلسفيّة و تدقيقات عقليّة، و كذلك لا بدّ من ملاحظة تراكيبها كما تلاحظ مفرداتها، و في المقام يجب الفات النظر إلى تركيب قول العربي بعد أن سرق ماله مثلًا: «لم يبق منه شيء» أو قوله تعالى حكاية قول بلقيس: «ما كنت قاطعة أمراً حتّى تشهدون) أو كلمة «لا إله إلّا اللَّه» و هكذا قوله «و لا تضاروهنّ ...» فهل يتبادر منها العموم أو لا؟ الإنصاف أنّ تركيب النكرة في سياق النفي أو النهي في أمثال هذه التراكيب يتبادر منه العموم من دون حاجة إلى مقدّمات الحكمة، كما يشهد له الوجدان أيضاً.
أمّا الثاني: لفظة كلّ و ما شابهها
فقد يقال فيها أيضاً أنّ دلالتها على العموم و استيعاب المدخول يتمّ بمعونة مقدّمات الحكمة المحرزة بها سعة المدخول و إرساله، و استشهد لذلك بعدم دلالتها في صورة تقييد مدخولها على أزيد من المقدار المقيّد فقولك: «أكرم كلّ رجل عالم» يدلّ على إكرام الرجال العدول فقط لا مطلق الرجال.
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٨، طبع مهر.