أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٠ - الأقوال في المسألة
و في الواقع أنّ الحسن و القبح من المعقولات الثانويّة التي يكون محلّ عروضها هو الذهن و منشؤها في الخارج، لا من المعقولات الأوّليّة أو الامور المجعولة المحضة.
إلى هنا تمّ البحث عن المرحلة الاولى من المراحل الثلاثة المبحوث عنها في الأدلّة العقليّة، و هو أن يكشف العقل عن حكم الشرع و يحصل القطع به من ناحية علل الأحكام التامّة، أي المصالح و المفاسد المقتضية لحكم الشرع مع العلم بفقدان موانعها و اجتماع شرائطها.
و من هنا يظهر الكلام في المرحلة الثانية، و هي كشف العقل حكم الشرع من ناحية معلولات الأحكام، أي من ناحية ثبوت العقاب و عدمه، نظير حكم العقل في الاصول العمليّة العقليّة، و هي ثلاثة: البراءة العقليّة، الاحتياط العقلي و التخيير العقلي.
أمّا البراءة العقليّة: فهي مبنية على كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقليّة لا عقلائيّة، فيستكشف من حكم العقل بقبح العقاب حكم الشارع بعدم فعلية الوجوب و الحرمة الواقعيين لو كانا في البين.
و أمّا الاحتياط العقلي: فهو حكم العقل بصحّة العقاب في صورة وجود العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة، و كذلك في الشبهات البدويّة قبل الفحص، فيحكم العقل بفعلية الحكم الواقعي في أطراف الشبهة في الشبهات المحصورة، ويحكم في الشبهات قبل الفحص بأنّه لو كان هناك حكم واقعي كان فعليّاً يؤخذ العبد به.
و كذلك التخيير العقلي: فإذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة يحكم العقل بقبح العقاب لمن ارتكب الفعل أو تركه، و يكشف من هذا الطريق عدم فعلية الحكم الواقعي الشرعي، ففي تمام موارد جريان الاصول العقليّة يكشف العقل عن حكم الشرع من طريق نتيجة الحكم، و هي ثبوت العقاب و عدمه، و الموضع الأصلي للبحث التفصيلي عن هذه الاصول هذا المقام، و لكن حيث إن عادة المتأخّرين من الاصوليين جرت على أن يبحثوا عنها تفصيلًا في مبحث مستقلّ تحت عنوان الاصول العمليّة فينبغي أن نتركه هنا و نحذو حذوهم.
أمّا المرحلة الثالثة: أو القسم الثالث من الأحكام العقليّة (و هي العلاقات و الملازمات العقليّة بأن يحكم العقل بالتلازم و يحصل القطع به) فالمبحوث عنها في الاصول هي سبعة أبواب:
١- باب وجوب مقدّمة الواجب، فيدرك العقل في هذا الباب التلازم بين وجوب المقدّمة وذي المقدّمة.