أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦١ - الأقوال في المسألة
و هو العمدة في المقام، فلا تنجّز للأحكام العقليّة و لا يجب امتثالها في النتيجة، مع أنّ القائل بالملازمة يريد أن يجعل دليل العقل من الأدلّة الأربعة التي تنكشف بها القوانين الشرعيّة الإلزاميّة.
الثاني: أنّ العقل أيضاً داخل في زمرة الرسل، فإنّه رسول و حجّة باطنة كما أنّ النبي ٦ حجّة ظاهرة، و قد ورد في رواية هشام: «أنّ للَّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة فأمّا الظاهر فالرسل و الأنبياء و الأئمّة :، و أمّا الباطنة فالعقول» [١] و في رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ٧ قال: «حجّة اللَّه على العباد النبي، و الحجّة فيما بين العباد و بين اللَّه العقل» [٢].
و فيه: أنّ الرسول في الآية بقرينة كلمة البعث ظاهر في الرسول الظاهري و منصرف إلى الحجج الظاهرة.
الثالث: (و هو الحقّ) أنّ المراد من العذاب في الآية ليس مطلق العذاب، بل المراد منه عذاب الاستيصال الذي يوجب الهدم و الهلاك في الدنيا كالطوفان لقوم نوح ٧ و الغرق لقوم فرعون و الصيحة السماويّة لأقوام اخر، فالآية إشارة إلى هذا النوع من العذاب، و لذلك عبّرت عنه بصيغة الماضي بقوله تعالى: «ما كنّا» و يشهد لذلك أيضاً ما وردت بعدها من قوله تعالى: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَ كَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً» [٣]. و لا أقلّ من أنّه ليس للآية إطلاق يشمل غير عذاب الاستيصال فإنّها محفوفة بما يصلح للقرينة.
الرابع: أنّ الآية كناية عن إتمام الحجّة و يكون ذكر بعث الرسل فيها من باب الغلبة لأنّ جلّ الأحكام وصلت إلينا من طريق الأدلّة السمعيّة، فيكون مفاد الآية «إنّا لا نعذّب العباد حتّى نتمّ الحجّة عليهم» و يشهد على هذا قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى» [٤].
و هذا الجواب أيضاً لا بأس به.
[١] اصول الكافي: باب العقل و الجهل، ح ١٢.
[٢] المصدر السابق: ح ٢٢.
[٣] سورة الإسراء: الآية ١٦ و ١٧.
[٤] سورة طه: الآية ١٣٤.