أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٨ - التنبيه الثاني في الكشف و الحكومة
التنبيه الثاني: في الكشف و الحكومة
و المراد من الكشف أن نستكشف من مقدّمات الانسداد على تقدير القول بسلامة جميعها أنّ الشارع جعل الظنّ حجّة في هذا الحال، فيمكن حينئذٍ إسناد الحكم المكشوف إلى الشارع و ترتّب سائر الآثار المترتّبة على شرعيّة الحكم من إمكان قصد الورود و تخصيص العمومات و تقييد المطلقات به.
و المراد من الحكومة هو أنّه و إن لم نكشف من هذه المقدّمات حكم الشارع فلا تترتّب الآثار المذكورة لكن لا إشكال في أنّ العقل يحكم عند حصولها بكفاية العمل بالظنّ بحيث يكون مأموناً معه، نظير ما يقال به في مقام بيان الفرق بين الإباحة الشرعيّة (كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام) و الإباحة العقليّة (قبح العقاب بلا بيان) من أنّها إذا كانت شرعيّة يترتّب عليها آثارها من الأمن من العقاب من دون أن يثبت بها حكم شرعي.
و كيف كان، ذهب القوم إلى أنّ غاية ما تقتضيه مقدّمات الانسداد هو حكومة العقل بحجّية الظنّ، و الأكثر من هذا المقدار و إثبات كشف حكم الشرع وراءه يحتاج إلى دليل.
إن قلت: إنّ هذا يستلزم التفكيك بين حكمي العقل و الشرع و إنكار الملازمة بينهما.
قلنا: أنّ الملازمة بينهما إنّما هي في مورد يكون قابلًا لحكم الشرع، و المورد في المقام غير قابل له، لأنّ حجّية الظنّ معناها وجوب الإطاعة الظنّية في حال الانسداد، فترجع إلى كيفية الإطاعة، و كما أنّ نفس الإطاعة ممّا يمتنع تعلّق الحكم الشرعي بها إلّا إرشاداً لما بيّن في محلّه من محذور التسلسل، كذلك كيفية الإطاعة.
لكن لقائل أن يقول: إنّا نستكشف من دأب الشارع و ديدنه أنّه لا يترك الناس بلا تكليف و لا يسرحهم بلا إراءة طريق في كلّ ما يحتاجون إليه حتّى يستلزم منه خلأ قانوني في عالم التشريع كما تدلّ عليه روايات كثيرة وردت في هذا المجال، و قد عقد في الوافي باب في أنّه ليس شيء ممّا يحتاج إليه الناس إلّا و قد جاء فيه كتاب أو سنّة، و في الوسائل باب في «إماطة الأذى عن طريق المسلمين» و يستفاد منه أنّ في الشريعة المقدّسة وضع لكلّ شيء قانون حتّى لقشر البطيخ المطروح في الطريق، فهل يعقل من حكمة الباري الحكيم إهمال الامّة الإسلاميّة في زمن الغيبة و عدم تعيين طريق لهم للوصول إلى أحكام الشريعة و القوانين المجعولة من ناحيته المقدّسة مع علمه تعالى بقصر مدّة الحضور و طول عصر الغيبة و انسداد باب العلم (على