أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١١ - الدليل الأول الكتاب
الآية و بملاك يستفاد منها، و هو أنّ تحصيل العلم و التفقّه في الدين واجب كفائي (كما أنّ الجهاد واجب كفائي و النفر مقدّمة له) فالرواية تقول حينئذٍ: إذا كان التعلّم واجباً و وجب امتثال هذا الوجوب فلا فرق بين الإقامة و الخروج لأجل تحقّق الامتثال، و لا يخفى أنّ هذا لا ينافي التفسير الأوّل و كون النفر بمعنى النفر إلى الجهاد، هذا أوّلًا.
و ثانياً: غاية ما تقتضيه هذه الرّوايات كونها قرينة على أنّ النفر في الآية استعمل في النفر إلى الجهاد و النفر إلى التفقّه معاً، أي أنّه استعمل في أكثر من معنى، و هو جائز على المختار عند وجود القرينة أو استعمل في معنى جامع بينهما.
هذا كلّه في تفسير الآية، أي المقام الأوّل من البحث، و ستعرف إن شاء اللَّه أنّ الاختلاف في هذا المقام ليس له أثر كثير في ما نحن بصدده.
أمّا المقام الثاني: فهو في كيفية الاستدلال بهذه الآية لحجّية خبر الواحد ...
فنقول: الاستدلال بها يكون منّا يقوم على أساس دلالة قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» على وجوب الحذر عند إنذار المتفقّه في الدين مطلقاً سواء حصل منه العلم أو لا، و هو معنى حجّية خبر الواحد تعبّداً.
و أمّا كيفية دلالة كلمة «لعلّ» على الوجوب فهي من وجوه شتّى:
الوجه الأول: أن يقال: إنّ كلمة «لعلّ» و إن كانت مستعملة في معناها الحقيقي، و هو إنشاء الترجّي حتّى فيما إذا وقعت في كلامه تعالى، و لكن بما أن الداعي إلى الترجّي يستحيل في حقّه تعالى لأنّ منشأه عبارة عن الجهل و العجز فلا محالة تكون مستعملة بداعي طلب الحذر، و إذا ثبت كون الحذر مطلوباً ثبت وجوبه لأنّه لا معنى لحسن الحذر و رجحانه بدون وجوبه، فإنّ المقتضي للحذر إن كان موجوداً فقد وجب الحذر و إلّا فلا يحسن من أصله.
أقول: إنّ هذا الوجه تامّ إلّا من ناحية ما ذكر في مقدّمته من استحالة الترجّي في حقّه تعالى لأنّ المأخوذ في مادّة الترجّي هو الحاجة إلى شرائط غير حاصلة، و عدم حصول الشرائط تارةً يكون من جانب المتكلّم و هو اللَّه تعالى في الآية، و اخرى من ناحية المخاطب و هو الناس فيها، ففي ما نحن فيه و إن كانت الشرائط حاصلة من جانبه تعالى إلّا أنّها غير حاصلة من جانب الناس، فاستعملت «لعلّ» في معناها الحقيقي.
و على كلّ حال يستفاد من كلمة «لعلّ» في الآية مطلوبيّة الحذر (و هي مساوقة مع