أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٨ - الطائفة الاولى روايات لا شكّ في كونها مجعولة غير معقولة
فإنّ هاهنا نكات لا بدّ من ملاحظتها:
أوّلًا: كيف يمكن أن يحذف من القرآن الذي كان يقرأ ليلًا و نهاراً و كان له أربعة عشر أو أكثر من أربعين كاتباً و مئات من القرّاء و الحفّاظ، الآلاف من آياته فإنّ هذا أمر مستحيل عادةً لا يتفوّه به عاقل.
ثانياً: ما هو الوجه و الداعي لحذف هذه الآيات في خصوص ذلك المورد و هو ما بين شرط و جزاء، فلا يتصوّر له وجه و لا يوجد له داع.
ثالثاً: يوجد هنا ربط واضح بين الشرط و الجزاء يتّضح لنا بملاحظة شأن نزول هذه الآية فقد ذكر له وجوه ستّة [١] عمدتها أربعة:
الوجه الأوّل: أنّهم كانوا في الجاهلية يأخذون إليهم الأيتام الصغيرة من النساء، و ذلك لقلّة صداقهنّ أو عدم صداق لهنّ أوّلًا، و لأنّ لهم أموالًا كثيرة ثانياً فيتزوّجون بهنّ و يأكلون أموالهنّ إلى أموالهم ثمّ لا يقسطون فيهنّ و ربّما أخرجوهنّ بعد أكل مالهنّ فيصرن عاطلات ذوات مسكنة لا مال لهم يرتزقن منه و لا راغب فيهنّ فيتزوّجن، و قد شدّد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث و الظلم الفاحش و أكّد النهي عن ظلم اليتامى و أكل أموالهم ضمن آيات عديدة فأعقب ذلك أنّ المسلمين أشفقوا على أنفسهم و خافوا خوفاً شديداً حتّى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفاً من الابتلاء بأموالهم و التفريط في حقّهم، فنزلت هذه الآية و هي واقعة موقع التأكيد بالنسبة إلى النهي الواقع في تلك الآيات، و المعنى: «اتّقوا أمر اليتامى و لا تتبدّلوا خبيث أموالكم بطيّب أموالهم و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتّى أنّكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات منهم و لم تطب نفوسكم أن تنكحوهنّ و تتزوّجوا بهنّ فدعوهنّ و انكحوا نساءً غيرهنّ ما طاب لكم مثنى و ثلاث و رباع، فقول «فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» في معنى قولنا «إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهنّ و انكحوا نساءً غيرهنّ».
الوجه الثاني: أنّهم كانوا يشدّدون في أمر اليتامى و لا يشدّدون في أمر النساء فيتزوجون منهنّ عدداً كثيراً و لا يعدلون بينهنّ فقال تعالى: إن كنتم تخافون أمر اليتامى فخافوا في النساء
[١] راجع تفسير مجمع البيان: ذيل هذه الآية.