أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٦ - ١- حجّية الظواهر
باب أنّ الحدود تدرءوا بالشبهات.
نعم، هاهنا تفصيل آخر (و هو المختار) بين ما إذا كان الظنّ الشخصي مخالفاً لقرينة توجب الظنّ على الخلاف، لمن اطّلع عليها غالباً بحيث تكون قابلة للإراءة و الاستناد بها على الخلاف، و ما إذا لم يكن كذلك، فيمكن أن يقال: إنّ العقلاء لا يعتمدون على الكلام في الصورة الاولى و إن كان ظاهراً في المراد عرفاً.
هذا كلّه في الأمر الأوّل.
و أمّا الأمر الثاني: و هو تفصيل المحقّق القمّي (رحمه الله) بين من قصد إفهامه بالكلام و غيره و أنّ ظواهر الكتاب حجّة بالنسبة إلى الأوّل دون الثاني، فتظهر ثمرته في الخطابات الشفاهيّة في القرآن الكريم حيث إنّه بناءً على هذا التفصيل يختصّ هذا القبيل من الخطابات بالمشافهين دون الغائبين و المعدومين لعدم كونهم مقصودين بالإفهام، كما تظهر الثمرة أيضاً في الرّوايات التي كان شخص الراوي لها مقصوداً بالإفهام كما إذا سئل زرارة مثلًا مسألة شخصية خاصّة بنفسه فليست ظواهر هذا القبيل من الرّوايات حجّة بالنسبة إلينا بناءً على التفصيل المذكور بل تنحصر الحجّة منها في الرّوايات التي يكون المخاطب فيها أعمّ من المشافهين كالتي ورد فيها قوله ٧: «فليبلّغ الشاهد الغائب» و هي من قبيل خطبة النبي ٦ في مسجد الخيف و خطبته في منى.
و على كلّ حال استدلّ الميرزا القمّي (رحمه الله) بما حاصله (على ما ذكر المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) لكلامه من التوجيه) أنّ دليل حجّية ظواهر الكتاب إنّما هو عدم تحقّق نقض الغرض (لأنّ عدم حجّية الظاهر مع كون المتكلّم في مقام البيان و مع أنّه لم ينصب قرينة على الخلاف يوجب نقض الغرض) و هو خاصّ بالمقصودين بالإفهام فقط لأنّه يكفي نصب القرائن الحاليّة أو المقاليّة لمن قصد إفهامه فحسب و أمّا اختفائها ممّن لم يقصد إفهامه فلا يوجب نقض غرضه من الكلام، و بعده لا يبقى دليل لحجّية ظاهر كلامه بالنسبة إلى غيرهم [١].
أقول: الإنصاف كما ذهب إليه المحقّقون هو عدم الفرق بين من قصد إفهامه و غيره، و ذلك لعدم انحصار دليل حجّية الظواهر في لزوم نقض الغرض، بل العمدة فيها إنّما هي بناء العقلاء،
[١] نهاية الدراية: ج ٢، ص ٦٢، الطبع القديم.