أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩١ - كلام في التشريع
النفسانيّة ليست واقعة تحت اختيار النفس حتّى توجدها في أي وقت شاء» [١].
أقول: الحقّ أن التعبّد الحقيقي بما لا يعلم أنّه عبادي أمر ممكن كما هو المعروف في الألسنة و الكتب الفقهيّة لأنّه من قبيل قوله تعالى «وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ» فلا إشكال في أنّ فرعون مثلًا كان كافراً باللَّه تعالى مع علمه به، و ليس هذا إلّا أنّه بنى في قلبه و التزم قلباً بأنّه ليس في العالم إله يسمّى ب «اللَّه»، هذا في الاصول الاعتقاديّة، و كذلك في الفروع فيمكن الالتزام القلبي بأنّ الشيء الفلان حرام مع العلم بحلّيته.
و إن شئت قلت: ليس التشريع هو العلم بل هو اعتقاد و عقد في القلب، و الاعتقاد غير العلم لأنّ العلم، هو مجرّد الإدراك، و أمّا الاعتقاد فإنّه من عقد القلب و البناء القلبي، و كم من شيء يعلمه الإنسان (أي يدركه) و لكن لا يقبله و لا يلتزم به في قلبه و بالعكس.
و بعبارة اخرى: عقد القلب هو التسليم الباطني تجاه شيء، علم به أو لم يعلم، كما يدلّ عليه ما مرّ سابقاً، و هو ما رواه إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا ٧ في حديث طويل قال: أخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللَّه ٦ قال: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، ... إلى أن قال: فإنّ أدنى ما يخرج به الرجل عن الإيمان أن يقول للحصاة، هذه نواة ثمّ يدين بذلك و يبرأ ممّن خالفه، يا ابن أبي محمود احفظ ما حدّثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا و الآخرة» [٢].
هذا كلّه في الأمر الأوّل.
أمّا الأمر الثاني: و هو الدليل على حرمة التشريع، فيدلّ عليها أوّلًا: جميع ما يدلّ على حرمة البدعة من الإجماع و الآيات و الأخبار الواردة في باب البدعة و تحريمها لأنّ التشريع مصداق من مصاديقها.
و ثانياً: حكم العقل بقبح التشريع، لأنّ من المستقلّات العقليّة أنّ التشريع نوع تلاعب بأحكام المولى و مخالف لحقّ الطاعة و رسم العبوديّة.
أمّا الأمر الثالث: و هو أنّ المحرّم هل هو خصوص التديّن و الالتزم القلبي أو يسري قبح التشريع إلى الفعل المتشرّع به بحيث يصير الفعل قبيحاً عقلًا و حراماً شرعاً؟ فذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى الثاني و قال: «إنّه من الممكن أن يكون القصد و الداعي من الجهات و العناوين
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٨٥، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] وسائل الشيعة: الباب ١٠، من أبواب صفات القاضي، ح ١٣.