الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٤٩ - باب الفراسة
فلما بلغت الباب نادى أبو القاسم المنادى من وراء الباب: رده إلى الموضع الذى أخذته منه. فرجعت و اعتذرت إلى الشيخ، و قلت: لم أجدهم .. و عرضت بأنهم تفرقوا، و رددت السبب[١] عليه ثم جئت إلى السوق ففتح على بشئ، فحملته، فقال: ادخل.
فقصصت عليه القصة، فقال: نعم، ذاك (ابن سيار) رجل سلطانى[٢]، إذا جئت للفقراء بشئ فأتهم بمثل هذا، لا بمثل ذاك.
قال أبو الحسين القرافى: زرت أبا الخير التيناتى، فلما ودعته .. خرج معى إلى باب المسجد، و قال لى: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما، و لكن أحمل معك هاتين التفاحتين.
فأخذتهما .. و وضعتهما فى جيبى، و سرت، فلم يفتح لى بشئ ثلاثة أيام، فأخرجت واحدة منهما، و أكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية، فاذا هما جميعا فى جيبى، فكنت آكل منهما و يعودان .. إلى[٣] باب الموصل، فقلت فى نفسى:
إنهما يفسدان على حال توكل: إذ صارتا معلوما لى ..
فأخرجتهما من جيبى بمرة. فنظرت فاذا فقير ملفوف فى عباءة يقول: أشتهى تفاحة ..
فناولتهما إياه .. فلما عبرت وقع لى: أن الشيخ إنما بعثهما إليه. و كنت فى رفقه فى الطريق ... فانصرفت إلى الفقير، فلم أجده.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد اللّه بن على يقول: سمعت أبا عمر ابن علوان يقول:
كان شاب يصحب الجنيد .. و كان يتكلم على خواطر الناس، فذكر للجنيد، فقال له الجنيد: ما هذا الذى ذكر عنك؟ فقال للجنيد: اعتقد شيئا. فقال: اعتقدت!! فقال الشاب: اعتقدت كذا و كذا؟ فقال الجنيد: لا. فقال: اعتقد ثانيا، ففعل، فقال: اعتقدت كذا و كذا. فقال: لا فقال: ثالثا. فقال: مثله فقال الشاب هذا عجب، أنت صدوق، و أنا أعرف قلبى؟!. فقال الجنيد: صدقت فى الأول و الثانى و الثالث، و لكنى أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك ..
[١] - أى الطعام.
[٢] - أى منسوب إلى السلطان و طعامه ليس بصاف( العروسى).
[٣] - أى إلى أن وصلت فى سفرى.