الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٤٧ - باب مخالفة النفس و ذكر عيوبها
و قال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، و لم يخالفها فى جميع الأحوال، و لم يجرها إلى مكروهها فى سائر أيامه كان مغرورا و من نظر إليها باستحسان شئ منها فقد أهلكها.
و كيف يصح لعاقل: الرضا عن نفسه، و الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل، يقول: «و ما أبرئ نفسى، إن النفس لأمارة بالسوء».
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت إبراهيم بن مقسم ببغداد يقول: سمعت ابن عطاء يقول: قال الجنيد: أرقت ليلة، فقمت إلى وردى[١]، فلم أجد ما كنت أجده من الحلاوة و التلذذ بمناجاتى لربى، فتحيرت، فأردت أن أنام، فلم أقدر عليه، فقعدت .. فلم أطق القعود، ففتحت الباب، و خرجت، فاذا رجل ملتف فى عباءة مطروح على الطريق .. فلما أحس بى .. رفع رأسه، و قال: يا أبا القاسم، إلى الساعة[٢] فقلت: يا سيدى من غير موعد؟ فقال: بلى قد سألت محرك القلوب أن يحرك إلى قلبك[٣].
فقلت: فقد فعل فما حاجتك؟
فقال: متى يصير داء النفس دواءها؟
فقلت: إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها.
فأقبل على نفسه، و قال اسمعى، قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد، فقد سمعت، و انصرف عنى و لم أعرفه. و لم أقف عليه بعد.
و قال أبو بكر الطمستانى: النعمة العظمى: الخروج من النفس؛ لأن أعظم حجاب بينك و بين اللّه عز و جل.
و قال سهل بن عبد اللّه: ما عبد اللّه بشئ مثل مخالفة النفس و الهوى.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه اللّه، يقول: سمعت منصور بن عبد اللّه
[١] - من الصلاة.
[٢] - أى تأخرت عنى.
[٣] - أى فالوقت الذى طلبتك نبه منه هو أول ما حركك، فهو الموعد.