الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٧ - خطبة الكتاب
ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق و الأحوال. و ادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال[١] و تحققوا بحقائق الوصال[٢] و أنهم قائمون بالحق، تجرى عليهم أحكامه. و هم محو[٣]، و ليس للّه عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب و لا لوم، و أنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، و اختطفوا عنهم بالكلية[٤]. و زالت عنهم أحكام البشرية. و بقوا بعد فنائهم عنهم[٥] بأنوار الصمدية، و القائل عنهم غيرهم إذا نطقوا، و النائب عنهم سواهم فيما تصرفوا، بل صرفوا.
و لما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة و كنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار، غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء، أو يجد مخالف لثلبهم مساغا[٦]؛ إذ البلوى فى هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة و المنكرين عليها شديدة.
و لما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم[٧]، و لعل اللّه سبحانه يجود بلطفه فى التنبيه لمن حاد عن السنة المثلى فى تضييع آداب هذه الطريقة.
و لما أبى الوقت إلا استصعابا. و أكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه و اغترارا بما ارتادوه[٨] ..
أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر[٩]- على هذه الجملة[١٠]- بنى قواعده. و على هذا النحو سار سلفه.
[١] - زعموا أنهم وصلوا إلى الحقائق العليا، و تخلصوا من محبة ما سوى اللّه، و نفضوا أغلال الرق و العبودية لغير المولى سبحانه و الوصول عند الصوفية هو فناء العبد عن أو صافه و عاداته فى أوصاف الحق سبحانه و تعالى.
[٢] - أى زعموا أنهم اتصفوا بالقرب المعنوى من اللّه.
[٣] - و هذا من تتمة زعمهم: أى أنهم لم يبق فيهم بقية يتعلق بها التكليف لتمام فنائهم حتى صاروا إلى حالة ينتفى فيها العتب، و ينعدم اللوم على كل ما يصدر عنهم.
[٤] - أى جذبت قلوبهم و أرواحهم الحق جذبا سريعا حتى لم يبق فيهم سعة لغيره تعالى.
[٥] - أى عن أنفسهم.
[٦] - أى النقصهم مدخلا.
[٧] - آمل أن تنقطع الأسباب المفضية إلى التهاون و التكاسل عما به صلاح النفس.
[٨] - ارتادوه: اختاروه و تلبسوا به.
[٩] - و هو الوصول إلى أعلى الحقائق و الأحوال.
[١٠] - مزاعهم و ادعاءاتهم.