الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٦٩ - أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا العباس القاص يقول: سمعت أبا الحسن الشعرانى يقول:
رأيت منصور بن عمار فى المنام، فقلت له: ما فعل اللّه بك؟
فقال قال لى: أنت منصور بن عمار؟ فقلت: بلى يا رب،
قال: أنت الذى كنت تزهد الناس فى الدنيا و ترغب فيها؟
قلت: قد كان ذلك يا رب، و لكنى ما اتخذت مجلسا إلا بدأت بالثناء عليك و ثنيت بالصلاة على نبيك؛ صلى اللّه عليه و سلم، و ثلثت بالنصيحة لعبادك.
فقال: صدق، ضعوا له كرسيا، يمجدنى فى سمائى بين ملائكتى، كما كان يمجدنى فى أرضى بين عبادى[١].
أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار
نيسابورى، منه انتشر مذهب الملامتية[٢] بنيسابور.
صحب سلما[٣] الباروسى، و أبا تراب النخشبى.
مات: سنة إحدى و سبعين و مائتين.
سئل حمدون. متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس[٤]؟
[١] - قال العروسى: هذه القصة تشير إلى أن العبرة بما سبق من العناية، و إن ظهر خلاف طريق الهداية، لتحقق فائد الرجاء و الأمل، لكل من عمل و من لم يعمل، و ذلك بواسطة فيوضات الكرم، من خزائن ولى النعم- و مع هذا فعلى المكلف دوام الأمتثال، و تفويض القبول لرب الأفضال، فلا يغتر الإنسان بكثرة العبادات، و لا يقنط بكبير المخالفات لثبوت الجهل بما علمه العليم مما قضاه بحكمه القديم، فيلزم أن يكون عمله بين الرجاء و الخوف، و لا يضيع وقته ما بين عسى و سوف، حيث ذلك من علامة الخذلان، القائد إلى دركات النيران، هذا ما تحرر فى أحكام الشريعة، و المعول عليه فى أصول الحقيقة.
[٢] - الملامتية: هم الذين يسترون صلاحهم بأمور تتداولها العوام ليست بمخالفات و لا معاص مبالغة فى الخفاء عن الشهرة؛ و يعقب الإمام العروسى على هذا المذهب بقوله:« و لكن طريق الاتباع أكمل، و اللّه سبحانه بعبادة أعلم» و قد أفرد السهروردى فصلا فى عوارفه لبيان أحوالهم و الحديث عنهم.
[٣] - و فى نسخة أخرى« سالما».
[٤] - أى يعظمهم.
و من كلامه:« لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه»،« لا أحد أدون ممن يتزين إلى دار فانية، و يتذلل إلى من لا يملك له ضرا و لا نفعا»،« إنما كان كلام السلف أنفع من كلامنا لأنهم تكلموا لعز الإسلام، و نجاة النفوس، و رضا الرحمن، و نحن نتكلم لعز النفوس، و طلب الدنيا، و رضا الخلق»،( إذا اجتمع إبليس و جنوده لم يفرحوا كفرحهم بثلاثة: مؤمن قتل مؤمنا، و رجل يموت كافرا، و قلب فيه خوف الفقر)،( إذا استطعت أن تصبح مفوضا لا مدبرا فافعل)،( من شغله طلب الدنيا عن الآخره؛ ذل فى الدنيا و الآخرة).
مات رحمه اللّه سنة إحدى و سبعين و مائتين، و دفن بنيسابور، و قد أسند الحديث عن جماعة من الأعيان، و روى عنه آخرون.