الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٤٨ - باب مخالفة النفس و ذكر عيوبها
يقول: سمعت أبا عمر الأنماطى يقول سمعت ابن عطاء، و قد سئل عن اقرب شئ إلى مقت اللّه تعالى، فقال:
روية النفس و أحوالها، و أشد من ذلك مطالعة الأعواض على أفعالها[١].
و سمعته يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول:
سمعت إبراهيم الخواص يقول: كنت فى جبل «اللكام[٢]» فرأيت رمانا فاشتهيته ..
فدنوت منه، فاخذت منه واحدة، فشققتها، فوجدتها حامضة، فمضيت، و تركت الزمان، فرايت رجلا مطروحا .. قد اجتمع عليه الزنابير، فقلت: السلام عليك.
فقال: و عليك السلام يا إبراهيم، فقلت له: و كيف عرفتنى؟ فقال: من عرف اللّه تعالى لا يخفى عليه شئ. فقلت: أرى لك حالا مع اللّه تعالى، فلو سألته أن يحميك و يقيك الأذى من هذه الزنابير؟. فقال: و أنا أرى لك حالا مع اللّه تعالى، فلو سألته أن يقيك شهوة الرمان .. فان لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه فى الآخرة، و لدغ الزنابير يجد ألمه فى الدنيا. فتركته، و مضيت.
و حكى عن إبراهيم بن شيبان أنه قال: مابت تحت سقف، و لا فى موضع عليه غلق اربعين سنة، و كنت أشتهى فى اوقات أن أتناول شبعة عدس، فلم يتفق ..
فكنت وقتا بالشام، فحمل إلى غضارة[٣] فيها عدس، فتناولت منه، و خرجت ..
فرأيت قوارير[٤] معلقة فيها شئ شبه «نموذجات»[٥] .. فظنننه خلا .. فقال لى بعض الناس: إيش تنظر .. هذه نموذجات الخمر؛ و هذه الدنان خمر.
فقلت فى نفسى: لزمنى فرض .. فدخلت حانوت الخمار، و لم أزل أصب تلك الدنان و هو يتوهم أنى أصبها بأمر السلطان. فلما علم، حملنى إلى ابن طولون ..
فأمر يضربى مائتى خشبة.. و طرحنى فى السجن .. فبقيت فيه مدة، حتى دخل أبو عبد اللّه المغربى أستاذى ذلك البلد؛ فشفع لى، فلما وقع بصره على، قال:
إيش فعلت؟ فقلت: شبعة عدس و مائتى خشبة فقال لى: نجوت مجانا[٦].
[١] - أى تطلع العبد إلى الجزاء على أعماله و فى نسخة: و مس؟؟؟ و مطالعة الأعراض.
[٢] - بلدة بالشام.
[٣] - آنية من طين.
[٤] - آنية من زجاج.
[٥] - قطرات من مائع.
[٦] - أى بلا عقوبة فى الآخرة بعد هذه العقوبة الدنيوية.