الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٧٢ - باب الغيرة
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه، يقول: لما دخل الأعرابى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و بال فيه[١]، و تبادر إليه الصحابة لإخراجه، قال، رحمه اللّه، إنما أساء الأعرابى الأدب، و لكن الخجل وقع على أصحابه، و المشقة حصلت لهم حين رأوا من وضع حشمته، كذلك العبد إذا عرف جلال قدره، سبحانه يشق عليه سماع ذكر من يذكره بالغفلة، و طاعة من لا يعبده بالحرمة.
حكى أن أبا بكر الشبلى مات له ابن كان اسمه «أبا الحسن» فجزعت أمه عليه، و قطعت شعر رأسها، فدخل الشبلى الحمام و تنور[٢] بلحيته، فكل من أتاه معزيا قال: ما هذا يا أبا بكر؟
فكان يقول: موافقة لأهلى.
فقال له بعضهم: أخبرنى يا أبا بكر لم فعلت هذا؟
فقال: علمت أنهم يعزوننى على الغفلة[٣]، و يقولون: آجرك اللّه تعالى، ففديت ذكرهم للّه تعالى بالغفلة[٤] بلحيتى.
و سمع النورى رجلا يؤذن، فقال[٥]: طعنة و سم الموت، و سمع كلبا ينبح فقال: لبيك و سعديك. فقيل له: إن هذا ترك للدين .. فانه يقول للمؤمن فى تشهده طعنة و سم الموت، و يلبى عند نباح الكلاب، فسئل عن ذلك فقال أما ذلك فكان ذكره للّه على رأس الغفلة، و أما الكلب فقال تعالى:
«وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ»[٦].
و أذن الشبلى مرة، فلما انتهى إلى الشهادتين قال: لو لا أنك أمرتنى ما ذكرت معك غيرك.
و سمع رجل رجلا يقول: جل اللّه. فقال له: أحب أن تجله عن هذا.
[١] - أخرج البخارى فى صحيحه عن أنس بن مالك أن النبى صلى اللّه عليه و سلم رأى أعرابيا يبول فى المسجد فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه. و فيما رواه أبو هريرة قال: قام أعرابى فبال فى المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبى صلى اللّه عليه و سلم: دعوه و هريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فانما بعثتم ميسرين، و لم تبعثوا معسرين، أخرجه البخارى.
[٢] - أى أنه حلقها.
[٣] - أى و هم غافلون عن تعظيم اللّه.
[٤] - أى مع الغفلة.
[٥] - داعيا عليه.
[٦] - آية ٤٤ من سورة الاسراء.