الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٥٥ - باب المحبة
و قال أبو بكر الكتانى: جرت مسألة فى المحبة بمكة أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، و كان الجنيد أصغرهم صنا، فقالوا له: هات ما عندك يا عراقى، فأطرق رأسه، و دمعت عيناه، ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هويته، وصفا شربه من كأس وده، و انكشف له الجبار من أستار غيبه؛ فإن تكلم فباللّه، و إن نطق فعن اللّه، و إن تحرك فبأمر اللّه، و إن سكن فمع اللّه، فهو باللّه و للّه و مع اللّه فبكى الشيوخ و قالوا: ما على هذا مزيد، جبرك اللّه يا تاج العارفين.
و قيل: أوحى اللّه تعالى إلى داود ٧: يا داود، إنى حرمت على القلوب أن يدخلها حبى و حب غيرى فيها.
أخبرنا حمزة بن يوسف السهمى قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن القاسم قال:
حدثنا هميم بن همام قال: أخبرنا إبراهيم بن الحارث قال: حدثنى عبد الرحمن ابن عفان قال: حدثنى محمد بن أيوب قال: حدثنى أبو العباس خادم الفضيل ابن عياض قال: احتبس بول الفضيل، فرفع يديه و قال: اللهم بحبى لك إلا أطلقته عنى، فما برحنا حتى شفى.
و قيل المحبة: الإيثار كامرأة العزيز لما تناهت فى أمرها قالت:
«أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ»[١].
و فى الابتداء قالت: «ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ»[٢] فوركت[٣] الذنب فى الابتداء عليه، و فى الانتهاء نادت على نفسها بالخيانة.
سمعت الأستاذ أبا على يقول ذلك.
و حكى عن أبى سعيد الخراز أنه قال: رأيت النبى صلى اللّه عليه و سلم فى المنام،
[١] - آية ٥١ من سورة يوسف.
[٢] - آية ٢٥ من سورة يوسف.
[٣] - أى نسبت.