الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٩ - خطبة الكتاب
فصل فى بيان اعتقاد هذه الطائفة فى مسائل الأصول[١]
إعلموا، رحمكم اللّه، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة[٢] فى التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع[٣] و دانوا[٤] بما وجدوا عليه السلف و أهل السنة: من توحيد ليس فيه تمثيل[٥] و لا تعطيل[٦]، و عرفوا ما هو حق القدم[٧]. و تحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم[٨].
و لذلك قال سيد هذه الطريقة «الجنيد»[٩]، رحمه اللّه: «التوحيد إفراد القدم من الحدث»[١٠].
[١] - أصول علم التوحيد و مسائله المتعلقة بذات اللّه تعالى و صفاته، و ما يجب له و ما يجوز، و ما يستحيل فى حقه.
[٢] - قال الشيخ العروسى فى حاشيته« نتائج الأفكار القدسية»: إن الدين بستان و الشريعة سياجه، و الطريقة رياضه، و الحقيقة ثمراته، فمن لا شريعة له لا دين له، و من لا طريقة له لا شريعة له، و من لا حقيقة له لا طريقة له». ثم قال:« إن طريقة الصوفية تشتمل على عشرة أشياء: أحدهما حقيقة التصوف، و هى ترجع إلى صدق التوجه إلى اللّه تعالى، و الثانى: أن مدار ذلك على إفراد القلب و القالب للّه وحده، و الثالث: أنه من الدين بمنزلة الروح من الجسد، و الرابع: أن نظر الصوفى فى وجه الكمال و النقص، و الخامس: أن نظر الفقيه فيما يسقط الحرج، و الأصولى، فيما يصح به الإيمان و يثبت، فنظر الصوفى أخص من نظرهما و لذلك صح إنكارهما عليه، و لا يصبح إنكاره على أحدهما،« فصوفى الفقهاء خير من فقيه الصوفية». و السادس: إظهار شرف التصوف و دليله: برهان و نصا، و السابع: أن الفقه شرط فى صحته، فلذلك قدم عليه؛ و الثامن ذكر الاصطلاح و اختصاصه بكل فن على حسبه، و التاسع مفاتيح الفتح فيه أربعة أحكام: المبادى؛ و صدق الرغبة فى الوصول، و التشوف الحقائق، و عدم التقيد بالمنقول مع التحقيق. و العاشر: أنه طريق عجيب و غريب و مبناه على اتباع الأحسن دائما، ففى العقائد على اتباع السلف، و فى الأحكام على الفقه، و فى الفضائل على مذهب المحدثين، و فى الآداب على ما به صلاح القلوب».
[٣] - البدع جمع بدعة، و هى ما يجرى على أصول الشريعة من نص الكتاب أو الحديث، أو الاجماع، أو القياس.
[٤] - اتخذوا ما وجدوا عليه السلف من الاعتقادات و الأعمال دينا لهم.
[٥] - تمثيل: تشبيه بحادث من الحوادث.
[٦] - تعطيل: أى بنفى الصفات فرارا من تعدد القدماء كما ذهب إليه جماعة« المعطلة».
[٧] - أى اعتقدوا بما يجب فى حقه تعالى و ما يجوز و ما يستحيل؛ و المراد بالقدم: القديم، و هو اللّه سبحانه و تعالى.
[٨] - التزموا الخضوع و الافتقار إليه سبحانه، و اتخذوا العبودية شعارا، فلم ينازعوا فى شئ من أحكام الربوبية.
و الموجود عن العدم، و هو: الحادث الذى وجد بعد أن لم يكن.
[٩] - هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادى الخزاز، مولده و وفاته ببغداد« ٢٩٧ ه- ٩١٠ م» و عرف بالخزاز لأنه كان يعمل الخز، قال أحد معاصريه: ما رأت عيناى مثله؛ الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، و الشعراء لفصاحته، و المتكلمون لمعانيه، و هو أول من تكلم فى علم التوحيد ببغداد. و قال ابن الأثير فى وصفه: إمام الدنيا فى زمانه؛ وعده العلماء شيخ مذهب التصوف، لضبط مذهبه بقواعد الكتاب و السنة، و لكونه مصونا من العقائد الذميمة محمى الأساس من شبه الغلاة، سالما من كل ما يوجب اعتراض الشرع.
[١٠] - أفراده سبحانه من الحدث: أى الحدوث، و ذلك إنما يتم بعد معرفة ما يجب له تعالى، و ما يجوز و ما يستحيل.