الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٤ - أبو على شقيق بن ابراهيم البلخى
كان شقيق بن ابراهيم موسرأ، و كان يتفتى[١] و يعاشر الفتيان، و كان على بن عيسى بن ماهان أمير بلخ، و كان يحب كلاب الصيد، ففقد كلبا من كلابه، فسعى برجل أنه عنده، و كان الرجل فى جوار شقيق، فطلب الرجل، فهرب ..
فدخل دار شقيق مستجيرا، فمضى شقيق إلى الأمير، و قال:
خلوا سبيله؛ فان الكلب عندى أرده إليكم إلى ثلاثة أيام.
فخلوا سبيله، و انصرف شقيق مهتما لما صنع. فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ فرجع إليها، فوجد فى الطريق كلبا عليه قلادة، فأخذه، و قال: أهديه إلى شقيق، فانه يشتغل بالتفتى.
فحمله إليه، فنظر شقيق فاذا هو كلب الأمير، فسر به، و حمله إلى الأمير و تخلص من الضمان فرزقه اللّه الانتباه، و تاب مما كان فيه، و سلك طريق الزهد.
و حكى أن حاتما الأصم قال: كنا مع شقيق فى مصاف[٢] نحارب الترك فى يوم لا ترى فيه إلا رءوسا تندر[٣]، و رماحا تنقصف، و سيوفا تنقطع، فقال لى شقيق:
كيف ترى نفسك يا حاتم فى هذا اليوم؟ تراه مثل ما كنت فى الليلة التى زفت إليك امراتك؟.
فقلت: لا و اللّه.
قال: لكنى و اللّه أرى نفسى فى هذا اليوم مثل ما كنت تلك الليلة.
ثم نام بين الصفين، و درقته[٤] تحت رأسه حتى سمعت غطيطه.
و قال شقيق: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر إلى ما وعده اللّه و وعده الناس، فبأيهما يكون قلبه أوثق[٥]؟.
و قال شقيق: تعرف تقوى الرجل فى ثلاثة أشياء: فى أخذه، و منعه، و كلامه.
[١] - أى يفعل فعل الفتيان و الشباب.
[٢] - مصاف: جمع صف، واحد الصفوف: التى تكون تلقاه وجه العدو فى الحرب.
[٣] - تسقط.
[٤] - الدرق( بفتح الدال و الراء)- الترس من جلد لبس فيه خشب.
[٥] - قال العروسى: المقصود الحمل على عدم الغفلة عن النفس، بل يلزم الإنسان دائما تفتيشها و امتحانها فيما توهمته من المقامات و الأحوال، حتى بتحقق رسوخها، و بعد هذا فلا يركن إلى ما منح، بل يدوم على الحد لينال ما فوق ذلك، او ليدوم له ما هو فيه .. إذ قد يسلب السائر من حيث لا يشعر، و فيه: تنبيه على أنه قوى وثوقه بما وعده اللّه من ثواب الامتثال، و أنه انقطع عن الحظوظ ..