الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٦٦ - باب السماع
باب السماع
قال اللّه عز و جل: «فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»[١].
اللام[٢] فى قوله «القول» تقتضى التعميم و الاستغراق، و الدليل عليه[٣]:
مدحهم باتباع الأحسن.
و قال تعالى: «فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ»،[٤] جاء فى التفسير: أنه السماع.
و اعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة و النغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا، و لم يسمع على مذموم فى الشرع، و لم يثجر فى زمام هواه، و لم ينخرط فى سلك لهوه، مباح فى الجملة.
و لا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أنه سمعها و لم ينكر عليهم فى إنشادها[٥]. فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان.
هذا ظاهر من الأمر. ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات، و تذكر ما أعد اللّه تعالى لعباده المتقين من الدرجات و يحمله على التحرز من الزلات، و يؤدى إلى قلبه فى الحال صفاء الواردات مستحب فى الدين و مختار فى الشرع، و قد جرى على لفظ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما هو قريب من الشعر، و إن لم يقصد أن يكون شعرا.
أخبرنا: أبو الحسن على بن أحمد الأهوازى قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال: حدثنا الحارث بن أبى أسامة قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا شعبة عن حميد قال: سمعت أنسا يقول: كانت الأنصار يحفرون الحندق فجعلوا يقولون:
|
نحن الذين بايعوا محمدا |
على الجهاد ما يقينا أبدا |
|
[١] - آية ١٨ من سورة الزمر.
[٢] - و فى نسخة: الألف و اللام.
[٣] - أى على التعميم و الأستغراق.
[٤] - آية ١٥ من سورة الروم.
[٥] - أخرج ابن ماجه فى سننه عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: أنشدت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مائة قافية من شعر أمية بن أبى الصلت يقول بين كل قافية:( هبه: أى زدنى) و قال كاد أن يسلم» و عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى صلى اللّه عليه و سلم كان يقول:« إن من الشعر حكما».