الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٣٩ - باب المعرفة بالله
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه يقول: من أمارات المعرفة باللّه حصول الهيبة من اللّه، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته.
و سمعته يقول: المعرفة توجب السكينة فى القلب كما أن العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت أحمد بن محمد بن زيد يقول: سمعت الشبلى يقول: ليس لعارف علاقة[١]، و لا لمحب شكوى، و لا لعبد دعوى، و لا لخائف قرار، و لا لأحد من اللّه فرار.
و سمعته يقول: سمعت محمد بن محمد بن عبد الوهاب يقول: سمعت الشبلى يقول، و قد سئل عن المعرفة، فقال: أولها اللّه تعالى، و آخرها ما لا نهاية له.
و سمعته يقول: سمعت أبى يقول: سمعت أبا العباس الدينورى يقول: قال أبو حفص:
مذ عرفت اللّه تعالى ما دخل قلبى حق و لا باطل.
قال الأستاذ أبو القاسم: و هذا الذى أطلقه أبو حفص فيه طرف من الإشكال، و أجل ما يحتمله: أن عند القوم المعرفة توجب غيبة العبد عن نفسه، لإستيلاء ذكر الحق؛ سبحانه، عليه، فلا يشهد غير اللّه، عز و جل، و لا يرجع إلى غيره إلى غيره، فكما أن العقل يرجع إلى قلبه و تفكره و تذكره فيما يسنح له من أمر، أو يستقبله من حال؛ فالعارف رجوعه إلى ربه. فاذا لم يكن مشتغلا إلا بربه لم يكن راجعا إلى قلبه. و كيف يدخل المعنى قلب من لا قلب له. و فرق بين من عاش بقلبه و بين من عاش بربه عز و جل.
و سئل أبو يزيد عن المعرفة، فقال:
«إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة»[٢].
قال الأستاذ: هذا معنى ما أشار إليه أبو حفص.
و قال أبو يزيد: للخلق أحوال، و لا حال للعارف؛ لأنه محيت رسومه[٣] و فنيت هويته بهوية غيره[٤]. و غيبت آثاره بآثار غيره.
[١] - أى: حظ.
[٢] - آثاره.
[٣] - آية ٣٤ من سورة النمل.
[٤] - أى وجوده فى وجود اللّه.