الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢١ - خطبة الكتاب
ذكره: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».[١] قال ابن عباس: إلا ليعرفون[٢]
و قال الجنيد: إن أول ما يحتاج إليه العبد من عقد الحكمة[٣]: معرفة المصنوع صانعه[٤]، و المحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، و صفة القديم من المحدث، و يذل لدعوته، و يعترف بوجوب طاعته؛ فان من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه.
أخبرنى محمد بن الحسين، قال: سمعت محمد بن عبد اللّه الرازى: يقول:
سمعت أبا الطيب المراغى يقول: للعقل دلالة[٥]، و للحكمة[٦] إشارة، و للمعرفة شهادة؛ فالعقل يدل. و الحكمة تشير. و المعرفة تشهد: أن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد.
و سئل الجنيد عن التوحيد، فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته:
أنه الواحد، الذى لم يلد، و لم يولد. بنفى الأضداد، و الأنداد، و الأشباه، بلاتشبيه. و لا تكييف، و لا تصوير و لا تمثيل[٧] «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»[٨].
أخبرنا محمد بن أحمد بن يحيى الصوفى، قال: أخبرنا عبد اللّه بن على التميمى الصوفى، يحكى عن الحسين بن على الدامغانى، قال: سئل أبو بكر الزاهر اباذى، عن المعرفة، فقال: المعرفة: اسم، و معناه وجود تعظيم فى القلب يمنعك عن التعطيل و التشبيه.
و قال أبو الحسن البوشنجى[٩]، رحمه اللّه،: التوحيد: أن تعلم أنه غير مشبه للذوات، و لا منفى الصفات.
[١] - آية ٥٦ من سورة الذاريات.
[٢] - فهو تعالى إنما خلق العالم ليستدل به عليه، كما قال تعالى« وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» و لهذا قيل« أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه».
[٣] - عقد الحكمة: اعتقادها.
[٤] - بصفاته التى تميز بها عن سائر الممكنات.
[٥] - براهين يستدل بها على وحدانية اللّه سبحانه.
[٦] - الحكمة هى العلم بحقائق الأشياء، و أوصافها، و خواصها، و أحكامها و ارتباط الأسباب بالمسببات. و العمل بمقتضى ذلك كله.
[٧] - أى أن التوحيد هو اعتقاد الوحدة للّه تعالى اعتقادا ناشئا عن نظر، نافيا الضد و الند، بلا كيف و لا صورة.
[٨] - آية ١١ من سورة الشورى.
[٩] - أبو الحسن على بن أحمد بن سهل البوشنجى توفى ٣٤٨ ه بنيسابور.