الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٩٠ - باب الصبر
و قيل: المصابرة: هى الصبر على الصبر، حتى يستغرق الصبر فى الصبر فيعجز الصبر عن الصبر، كما قيل:
|
صابر الصبر فاستغاث به الصبر |
فصاح المحب بالصبر صبرا |
|
و قيل: حبس الشبلى وقتا فى المارستان، فدخل عليه جماعة؛ فقال: من أنتم؟
فقالوا، أحباؤك جاءوك زائرين.
فأخذ يرميهم بالحجر و أخذوا يهربون.
فقال: يا كذابون، لو كنتم أحبائى لصبرتم على بلائى.
و فى بعض الأخبار. بعينى ما يتحمل المتحملون من أجلى.
و قال اللّه تعالى: «وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا»[١].
و قال بعضهم: كنت بمكة .. فرأيت فقيرا طاف بالبيت، و أخرج من جيبه رقعة، و نظر فيها، و مر، فلما كان بالغد، فعل مثل ذلك، فترقبته أياما و هو يفعل مثل ذلك، فيوما من الأيام طاف و نظر فى الرقعة، و تباعد قليلا .. و سقط ميتا، فأخرجت الرقعة من جيبه، فاذا فيها:
«وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا»[٢].
و قيل: رئى حدث يضرب وجه شيخ بنعله، فقيل له: ألا تستحى.. تضرب حروجه شيخ بمثل هذا؟: فقال: جرمه عظيم. فقيل: و ما ذاك؟
فقال: هذا الشيخ يدعى أنه يهوانى، و منذ ثلاث ما رآنى.
و قال بعضهم: دخلت بلاد الهند، فرأيت رجلا بفرد عين «يسمى فلانا الصبور» فسألت عن حاله، فقيل: هذا فى عنفوان شبابه سافر صديق له، فخرج فى وداعه، فدمعت إحدى عينيه و لم تبك الأخرى، فقال لعينه التى لم تدمع: لم لم تدمعى على فراق صاحبى؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا و غمض عينه، فمنذ ستين سنة لم يفتح عينه.
و قيل فى قوله تعالى: «فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا»: الصبر الجميل: أن يكون صاحب المصيبة فى القوم لا يدرى من هو.
[١] - آية ٤٨ من سورة الطور.
[٢] - آية ٤٨ من سورة الطور.