الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٢ - أبو سليمان داود بن نصير الطائى
قال: فجالستهم سنة لا أتكلم فى مسألة، و كانت المسألة تمر بى، و أنا إلى الكلام فيها أشد نزاعا من العطشان إلى الماء البارد و لا أتكلم به.
ثم صار أمره إلى ما صار.
و قيل: حجم «جنيد الحجام» داود الطائى، فأعطاه دينارا، فقيل له: هذا إسراف.
فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له.
و كان يقول بالليل: الهى همك عطل على الهموم الدنيوية، و حال بينى و بين الرقاد.
سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفى يقول: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا سعيد بن عمرو قال: حدثنا على بن حرب الموصلى قال: حدثنا اسماعيل بن زياد الطائى قال: قالت داية[١] داود الطائى له:
أما تشتهى الخبز؟ فقال: بين مضغ الخبز و شرب الفتيت قراءة خمسين آية.
و لما توفى داود، رآه بعض الصالحين فى المنام و هو يعدو فقال له: مالك؟
فقال: الساعة تخلصت من السجن.
فاستيقظ الرجل من منامه، فارتفع الصياح بقول الناس: مات داود الطائى.
و قال له رجل: أوصنى. فقال له: عسكر الموت[٢] ينتظرونك.
و دخل بعضهم عليه، فرأى جرة ماء انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحولها إلى الظل؟.
فقال: حين وضعتها لم يكن شمس، و أنا أستحى أن يرانى اللّه أمشى لما فيه حظ نفسى.
و دخل عليه بعضهم، فجعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام؟
أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهانى قال: أخبرنا أبو اسحق ابراهيم بن محمد ابن يحيى المزكى:
قال: حدثنا قاسم بن أحمد، قال: سمعت ميمونا الغزالى قال: قال أبو الربيع الواسطى:
قلت لداود الطائى: أوصنى.
فقال: صم عن الدنيا، و اجعل فطرك الموت؛ و فر من الناس كفرارك من السبع.
[١] - جارية، و قالت له ذلك حينما رأته لا يأكل الخبز، بل يشرب الفتيت.
[٢] - و فى نسخة« عسكر الموتى».