الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٧١ - باب السماع
و قال معاذ بن جبل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لو علمت أنك تسمع[١] لحبرته لك تحبيرا»[٢][٣].
أخبرنا أبو حاتم السجستانى قال: أخبرنا عبد اللّه بن على السراج قال: حكى أبو بكر محمد بن داود الدينورى الرقى قال: كنت فى البادية، فوافيت قبيلة من قبائل العرب، و أضافنى رجل منهم، فرأيت غلاما أسود مقيدا هناك. و رأيت جمالا قد ماتت بفناء البيت، فقال لى الغلام: أنت الليلة ضيف، و أنت على مولاى كريم، فتشفع لى؛ فإنه لا يردك.
فقلت لصاحب البيت: لا آكل طعامك حتى تحل هذا العبد.
فقال: هذا الغلام قد أفقرنى و أتلف مالى.
فقلت: فما فعل؟
فقال: له صوت طيب، و كنت أعيش من ظهر هذه الجمال، فحملها أحمالا ثقيلة، و حدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام فى يوم واحد، فلما حط عنها ماتت كلها، و لكن قد وهبته لك و حل عنه القيد، فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته فسألته عن ذلك، فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان على بئر هناك يستقى عليه فحدا الغلام .. فهام الجمل على وجهه و قطع حباله، و لم أظن أنى سمعت صوتا أطيب منه، فوقعت لوجهى .. حتى أشار إليه بالسكوت.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت محمد بن عبد اللّه بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطى يقول: سمعت الجنيد يقول، و قد سئل: ما بال الإنسان يكون هادئا، فاذا سمع السماع اضطرب؟ فقال: إن اللّه تعالى لما خاطب الذر[٤] فى الميثاق الأول بقوله: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى»[٥] استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك.
[١] - أى لقراءتى.
[٢] - التحبير: التزيين و التحسين.
[٣] - و روى بنحوه عن أنس أن أبا موسى كان يقرأ القرآن ليلة و نساء النبى صلى اللّه عليه و سلم يستمعن فقيل له، فقال:
« لو علمت لحبرته تحبيرا، و لشوقت تشويقا» أخرجه أحمد بن منيع و قال عنه ابن حجر حديث صحيح أنظر المطالب العالية ج ٣ ص ٢٨٧.
[٤] - الذر: الأرواح.
[٥] - أية ١٧٢ من سورة الأعراف.