الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٠٩ - باب الارادة
الدقاق يقول: نهاية الإرادة أن تشير إلى اللّه تعالى فتجده مع الإشارة، فقلت: فأى شئ يستوعب الإرادة؟ فقال: أن تجد اللّه تعالى بلا إشارة.
سمعت: محمد بن عبد اللّه الصوفى يقول: سمعت عباس بن أبى الصحو يقول:
سمعت أبا بكر الدقاق يقول: لا يكون المريد مريدا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال عشرين سنة.
و قال أبو عثمان الحيرى: من لم تصح إرادته بدارا[١] لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارا.
و قال أبو عثمان: المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به صار حكمة فى قلبه إلى آخر عمره، ينتفع به، و لو تكلم به انتفع به من سمعه. و من سمع شيئا من علومهم، و لم يعمل به، كان حكاية يحفظها أياما ثم ينساها.
و قال الواسطى: أول مقام المريد: إرادة الحق، سبحانه، باسقاط إرادته.
و قال يحيى بن معاذ: أشد شئ على المريدين: معاشرة الأضداد.
سمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت أبا القاسم الرازى يقول:
قال يوسف بن الحسين: إذا رأيت المريد يشغل بالرخص و الكسب فليس يجئ منه شئ.
و سمعته يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت جعفر الخلدى يقول:
سئل الجنيد: ما للمريدين فى مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكايات جند من جنود اللّه تعالى، يقوى بها قلوب المريدين. فقيل له: فهل لك فى ذلك شاهد؟ فقال: نعم، قوله عز و جل: «وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ»[٢].
و سمعته يقول: سمعت محمد بن خالد يقول: سمعت جعفرا يقول: سمعت الجنيد يقول: المريد الصادق غنى عن علم العلماء.
فأما الفرق بين المريد و المراد: فكل مريد على الحقيقة مراد. إذ لو لم يكن مراد اللّه تعالى بأن يريده لم يكن مريدا؛ إذ لا يكون إلا ما أراده اللّه تعالى، و كل مراد مريد؛ لأنه إذا أراده الحق سبحانه بالخصوصية وفقه للارادة. و لكن القوم فرقوا بين المريد و المراد:
[١] - أى ابتداء.
[٢] - آية ٢٠ من سورة هود.