الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٨٣ - باب الخلوة و العزلة
باب الخلوة و العزلة
أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى، قال: حدثنا عبد العزيز بن معاوية قال: حدثنا القعنبى قال: حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه، عن بعجة بن عبد اللّه بن بدر الجهنى، عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن من خير معايش الناس كلهم رجلا آخذا بعنان فرسه فى سبيل اللّه إن سمع فزعة أو هيعة كان على متن[١] فرسه يبتغى الموت أو القتل فى مظانه، أو رجلا فى غنيمة له فى رأس شعفة[٢] من هذه الشعاف، أو فى بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة، و يؤتى الزكاة، و يعبد ربه حتى يأتيه اليقين[٣]، ليس من الناس إلا فى خير»[٤].
قال الأستاذ:
الخلوة: صفة أهل الصفوة. و العزلة: من أمارات أهل الوصلة.
و لا بد للمريد- فى ابتداء حاله- من العزلة عن أبناء جنسه، ثم فى نهايته- من الخلوة؛ لتحققه بأنسه.
و من حق العبد- إذا آثر العزلة- أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره و لا يقصد سلامته من شر الخلق، فان الأول من القسمين: نتيجة استصغار نفسه، و الثانى: شهود مزيته على الخلق و من استصغر نفسه فهو متواضع، و من رأى لنفسه مزية على أحد، فهو متكبر.
و رئى بعض الرهبان، فقيل له: إنك راهب.
فقال: لا، بل أنا حارس كلب[٥]؛ إن نفسى كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم، ليسلموا منها.
و مر إنسان ببعض الصالحين؛ فجمع ذلك الشيخ ثيابه منه، فقال له الرجل:
[١] - ظهر.
[٢] - رأس الجبل.
[٣] - الموت.
[٤] - رواه مسلم بنحوه.
[٥] - يقصد نفسه.