الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٣ - خطبة الكتاب
أحوال خلقه. ليس له من خلقه مزاج، و لا فى فعله علاج[١]. باينهم بقدمه، كما باينوه بحدوثهم.
إن قلت: منى[٢]، فقد سبق الوقت كونه[٣]. و إن قلت: هو، فالهاء و الواو خلقه. و إن قلت. أين، فقد تقدم المكان وجوده.
فالحروف آياته[٤]. و وجوده إثباته[٥]. و معرفته توحيده[٦]. و توحيده تمييزه من خلقه. ما تصور فى الأوهام فهو بخلافه، كيف يحل به ما منه بدأه؟ أو يعود إليه ما هو أنشأه؟ لا تماقله[٧] العيون، و لا تقابله الظنون[٨]. قربه كرامته[٩]، و بعده إهانته، علوه من غير توقل[١٠]. و مجيئه من غير تنقل[١١].
هو: الأول[١٢]، و الآخر[١٣]، و الظاهر[١٤]، و الباطن، القريب البعيد، الذى ليس كمثله شئ و هو السميع البصير.
سمعت أبا حاتم السجستانى[١٥] يقول: سمعت أبا نصر الطوسى السراج يحكى عن يوسف بن الحسين، قال: قام رجل بين يدى ذى النون المصرى[١٦]، فقال:
أخبرنى عن التوحيد: ما هو؟ فقال هو: أن تعلم قدرة اللّه تعالى فى الأشياء بلا مزاج، و صنعه للأشياء بلا علاج، و علة كل شئ صنعه[١٧]، و لا علة لصنعه.
[١] - معالجة بوسايط و أسباب للايجاد.
[٢] - متى: أى متى وجد.
[٣] - كونه: وجوده.
[٤] - أى مادة آياته و دلائله المنزلة على نبيه محمد صلى اللّه عليه و سلم.
[٥] - لا يكفى مجرد الاعتقاد بوجوده، بل لا بد من إقامة الأدلة على ثبوته.
[٦] - معرفته بصفاته وليدة توحيده.
[٧] - لا تماقله العيون: لا تراه بالمقل.
[٨] - لا تدركه الأوهام و العقول؛ لقصور الحادث عن إدراك القديم جل شأنه.
[٩] - قربه من عبده إحسان له و إكرام.
[١٠] - علوه على عبده علو جلالة و عظمة، لا علو مكان.
[١١] - مجئ فضله و نزول أمره من غير حركة أو انتقال.
[١٢] - قبل كل شئ بلا بداية.
[١٣] - بعد كل شى بلا نهاية.
[١٤] - بآثار قدرته.
[١٥] - هو سهل بن محمد بن عثمان الجشمى توفى سنة ٢٤٨ ه، من أهل البصرة، عالم له نيف و ثلاثون كتابا.
[١٦] - هو أبو الفيض ذو النون المصرى الإخميمى. عالم صوفى، ورع توفى سنة ٢٤٥ ه.
[١٧] - قدرته أوجدت الكائنات فلا صانع غيره.