الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٠٨ - باب الصمت
فأما إيثار أرباب المجاهدة السكوت: فلما علموا ما فى الكلام من الآفات ثم ما فيه من حظ النفس، و اظهار صفات المدح، و الميل إلى أن يتميز بين أشكاله[١] بحسن النطق، و غير هذا من آفات فى الخلق و ذلك نعت أرباب الرياضات، و هو أحد أركانهم فى حكم المنازلة و تهذيب الخلق.
و قيل: إن داود الطائى، لما أراد أن يقعد فى بيته اعتقد[٢] أن يحضر مجالس أبى حنيفة، رحمه اللّه، إذ كان تلميذا له، و يقعد بين أقرانه من العلماء و لا يتكلم فى مسألة، فلما قوى نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة، قعد فى بيته عند ذلك و آثر العزلة.
و كان عمر بن عبد العزيز، رحمه اللّه، إذا كتب كتابا و استحسن لفظه مزق الكتاب و غيره.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: أخبرنا عبد اللّه بن محمد الرازى، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن إسحق السراج قال: سمعت أحمد ابن الفتح يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول:
إذا أعجبك الكلام فاصمت، و إذا أعجبك الصمت فتكلم.
و قال سهل بن عبد اللّه: لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة، و لا تصح له التوبة حتى يلزم نفسه الصمت.
و قال أبو بكر الفارسى: من لم يكن الصمت وطنه فهو فى الفضول و إن كان صامتا. و الصمت ليس بمخصوص على اللسان، لكنه على القلب و الجوارح كلها.
و قال بعضهم: من لم يستغنم[٣] السكوت فاذا نطق نطق بلغو.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول:
سمعت ممشاد الدينورى يقول: الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت و التفكر.
و سئل أبو بكر الفارسى عن صمت السر فقال: ترك الاشتغال بالماضى و المستقبل.
و قال أبو بكر الفارسى: إذا كان العبد ناطقا فيما يعنيه، و فيما لا بد منه، فهو فى حد الصمت.
[١] - أقرانه.
[٢] - عزم.
[٣] - أى يعرف فضيلته و يعده غنيمة.