الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٠١ - باب الزهد
و منهم من قال: ينبغى للعبد أن لا يختار ترك الحلال بتكلفه، و لا طلب الفضول مما لا يحتاج إليه و يراعى القسمة. فان رزقه اللّه، سبحانه و تعالى مالا من حلال شكره، و إن وقفه اللّه تعالى، على حد الكفاف لم يتكلف فى طلب ما هو فضول المال فالصبر أحسن بصاحب الفقر، و الشكر أليق بصاحب المال الحلال.
و تكلموا فى معنى الزهد:
فكل نطق عن وقته، و أشار إلى حده.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: حدثنا أحمد بن اسماعيل الأزدى قال: قال: حدثنا عمران بن موسى الإسفنجى قال: حدثنا الدورقى قال: حدثنا وكيع قال: قال سفيان الثورى:
الزهد فى الدنيا: قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، و لا بلبس العباء.
و سمعته يقول: سمعت سعيد بن أحمد يقول: سمعت عباس بن عصام يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السرى السقطى يقول:
إن اللّه سبحانه، سلب الدنيا عن أوليائه، و حماها[١] عن أصفيائه، و أخرجها من قلوب أهل وداده؛ لأنه لم يرضها لهم.
و قيل: الزهد من قوله[٢] سبحانه و تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ»[٣].
فالزاهد لا يفرح بموجود من الدنيا، و لا يتأسف على مفقود منها.
و قال أبو عثمان: الزهد: أن تترك الدنيا ثم لا تبالى بمن أخذها[٤].
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول:
الزهد: أن تترك الدنيا كما هى، لا تقول أبنى بها رباطا أو أعمر مسجدا.
و قال يحيى بن معاذ: الزهد: يورث السخاء بالملك، و الحب يورث السخاء بالروح، و قال ابن الجلاء: الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر فى عينك فيسهل عليك الإعراض عنها.
[١] - أمسكها.
[٢] - أى مأخوذ.
[٣] - آية ٢٣ من سورة الحديد.
[٤] - و فى نسخة: الزاهد: الذى يترك الدنيا ثم لا يبالى من أخذها.