الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٤٤٧ - باب المحبة
و أما محبة العبد اللّه: فحالة يجدها من قلبه. تلطف عن العبارة[١].
و قد تحمله تلك الحالة على التعظيم له، و إيثار رضاه، و قلة الصبر عنه.
و الاهتياج إليه، و عدم القرار من دونه، و وجود الاستئناس بدوام ذكره له بقلبه. و ليست محبة العبد له. سبحانه. متضمنة ميلا، و لا اختطاطا. كيف.
و حقيقة الصمدية مقدسة عن اللحوق و الدرك[٢] و الإحاطة. و المحب، بوصف الاستهلاك[٣] فى المحبوب، أولى منه بأن يوصف بالاختطاط[٤]. و لا توصف المحبة بوصف و لا تحد بحد أوضح و لأقرب إلى الفهم من المحبة و الاستقصاء[٥] فى المقال عند حصول الإشكال[٦]؛ فاذا زاد الاستعجام و الاستبهام سقطت الحاجة إلى الاستغراق فى شرح الكلام.
و عبارات الناس عن المحبة كثيرة. و تكلموا فى أصلها فى اللغة؛ فبعضهم قال:
الحب اسم لصفاء المودة؛ لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان و نضارتها: «حبب الأسنان».
و قيل: الحباب: ما يعلو الماء عند المطر الشديد؛ فعلى هذا «المحبة»: غليان القلب و ثوراته عند العطش و الاهتياج إلى لقاء المحبوب.
و قيل: إنه مشتق من حباب الماء (بفتح الحاء) و هو: معظمه. فسمى بذلك؛ لأن المحبة غاية معظم ما فى القلب من المهمات.
و قيل: اشتقاقه من اللزوم و الثبات، يقال: أحب البعير. و هو: أن يبرك فلا يقوم، فكأن المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر محبوبه.
و قيل: الحب مأخوذ من الحب. و هو «القرط» قال الشاعر:
|
تبيت الحية النضناض[٧] منه |
مكان الحب[٨] تستمع السرارا[٩] |
|
[١] - أى يدق التعبير عنها.
[٢] - أى الإدراك.
[٣] - أى الاستغراق.
[٤] - أى فى خطة تحيط به و بمحبته.
[٥] - أى الأستغراق.
[٦] - أى الاستعجام و الاستبهام.
[٧] - النضنضة: تحريك الحية لسانها.
[٨] - القرط.
[٩] - أى تسمع ما يسره ذلك الشخص من الغدر بها.