الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٦ - خطبة الكتاب
الأجساد و الأرواح[١]. صرح بهذا الكلام أن أكساب العباد[٢] مخلوقة للّه تعالى، و كما أنه لا خالق للجواهر إلا اللّه تعالى، فكذلك لا خالق للأعراض إلا اللّه تعالى.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت محمد ابن عبد اللّه يقول: سمعت أبا جعفر الصيدلانى يقول: سمعت أبا سعيد الخراز[٣] يقول: من ظن أنه ببذل الجهد[٤] يصل إلى مطلوبه فمتعنّ[٥]، و من ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمنّ.
و قال الواسطى: المقامات[٦] أقسام قسمت[٧]، و نعوت أجريت، كيف تستجلب بحركات؟ أو تنال بسعايات؟[٨].
و سئل الواسطى عن الكفر باللّه أو للّه، فقال: الكفر و الإيمان، و الدنيا و الآخرة: من اللّه، و إلى اللّه، و باللّه، و للّه: من اللّه إبتداء و إنشاء، و إلى اللّه مرجعأ و انتهاء، و باللّه بقاء و فناء، و للّه ملكا و خلقا.
و قال الجنيد: سئل بعض العلماء عن التوحيد، فقال: هو اليقين.
فقال السائل: بيّن لى ما هو؟
فقال: هو: معرفتك، أن حركات الخلق و سكونهم، فعل اللّه عز و جل، وحده، لا شريك له. فاذا فعلت ذلك فقد وحّدته.
[١] - الحركات تابعة للأجسام، و الخواطر تابعة للأرواح، و الأرواح و الأجسام موجودة بقدرة اللّه، و هى أصل، و الحركات و الخواطر فرع، و ما ثبت للأصل من كونه وجد بقدرة اللّه يثبت كذلك للفرع.
[٢] - أكساب العباد: أفعالهم البدنية و القلبية.
[٣] - هو: أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز، من بغداد توفى سنة ٢٧٧ ه. شيخ الصوفية. عارف باللّه، صحب ذا النون المصرى و غيره من أقطاب الصوفية له كتاب« الطريق إلى اللّه» و غيره ..
[٤] - الجهد: بفتح الجيم و ضمها: الطاقة.
[٥] - متعن: متعب نفسه، مجهد لها. و قال الشيخ العروسى« إن الوصول بمعنى القرب من رحمته سبحانه و تعالى، لا يلزم ترتبه على العمل، بل الاعتبار بما سبق به القضاء الأزلى، مما لا إطلاع لنا عليه، و حينئذ فلا يصبح الاعتماد على خير العمل، و لا القنوط من شره، لجهل المقدر. فعلى العبد الامتثال مع التفويض إليه تعالى. و غاية الأمر أن الاستقامة على الأعمال الخيرية علامة على حسن العاقبة.
[٦] - المقامات: الطرق الموصلة إليه تعالى كالزهد و الورع و غيرهما.
[٧] - قسمت: قدرت بتقدير اللّه.
[٨] - و ما دامت الأعمال و الحركات لا توصل إلى الدرجات العالية؛ فاللازم فى حق العبيد القيام بمقتضى الأمر و النهى مع تفويض القبول و عدمه إلى اللّه تعالى؛ حتى يدوم لهم الخوف و الرجاء اللذان بهما تتحقق لهم العبودية.