الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٨ - تقديم
سبحانه و تعالى- تحديدا واضحا كل الوضوح- الغاية التى خلق الإنسان من أجلها، يقول سبحانه:
(وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
و الإسلام يريد بذلك أن تكون حياة الإنسان فى جميع اتجاهاتها، و فى جميع جوانبها و زواياها ... حياة الإنسان أسسا و بواعث ... و حياة الإنسان وسائل و مناهج ..
و حياة الإنسان أهدافا و غايات ... يريد الإسلام أن يكون كل ذلك: عبادة.
و ليس ذلك بالأمر المستحيل؛ فالعمل الواحد بعمله شخص من الأشخاص، فيكون عملا دنيويا، و يعمله شخص آخر فيكون العمل دينيا.
بل إن العمل الواحد يعمله الشخص الواحد فى وقت ما، فيكون دنيويا، و يعمله هو نفسه فى وقت آخر فيكون عبادة، و كل ذلك إنما هو بحسب النية، بقول صلوات اللّه و سلامه عليه:
«إنما الأعمال بالنيات؛ و إنما لكل امرئ مانوى؛ فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله فهجرته إلى اللّه و رسوله، و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه».
فاذا ما أراد الإنسان بعمله وجه اللّه كان العمل: عبادة مهما أغرق فى الصورة الدنيوية، و أحاديث الرسول صلوات اللّه و سلامه عليه فى هذا الجانب كثيرة معروفة.
بيد أن العبادة من ناحية قيمتها الروحية: درجات لا تحصى؛ إنها قد تكون شكلا من الأشكال، مجرد شكل، لا قيمة لها؛ و لا وزن فى مقاييس الروح و موازينها .. و قد تسمو و تسمو؛ فتصل إلى: «أن تعبد اللّه؛ كأنك تراه؛ فان لم تكن تراه؛ فانه براك».
و لقد كان الرسول؛ صلوات اللّه و سلامه عليه، المثل الأعلى لنا فى أن نعبد اللّه؛ كأننا نراه، أو فى أن نرى اللّه فى جميع ما نأتى و ما ندع؛ فى الكون نذلله و نسخره، و فى المجتمع نصلحه و نهذبه .. و فى العمل نتقنه و نخلص فيه .. و فى الحديث نتحرى فيه الصدق و الأمانة ...